
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في تاريخ السياسة المغربية المعاصرة، تبرز عائلات قليلة جسّدت استمرارية النضال السياسي والاجتماعي عبر الأجيال، كما فعلت عائلة الزايدي. تمثل هذه العائلة نموذجاً حياً للانتقال السلس من مرحلة النضال الحزبي اليساري التقليدي إلى الممارسة السياسية الجماعية والبرلمانية في ظل التعددية الحزبية. ويمتد تاريخها النضالي من أحمد الزايدي، الرمز الاتحادي البارز، إلى أبنائه سعيد وسعاد الزايدي، اللذين حمل كل منهما المشعل بطريقته. لكن القصة لا تخلو من الظلم السياسي، إذ تعرض سعيد الزايدي لمكيدة قضائية جسّدت ظاهرة “التلبس المخلوق”، وهي أداة تصفية حسابات تحولت إلى نموذج للاستغلال السياسي للجهاز القضائي الذي كان على بينة وأنصف سعيد الزيدي بكل نزاهة و مصداقية.
وكما معلوم ولد أحمد الزايدي سنة 1953 في بوزنيقة، من أسرة متواضعة، وتلقى تعليمه في ثانوية مولاي يوسف بالرباط. بدأ مساره في عالم “المتاعب” الصحافة والإعلام. حيث اشتغل مذيعاً وصحفياً في التلفزيون المغربي بالقناة الأولى لنحو أزيد من عشرين سنة، حيث تألق في تغطية الأحداث الوطنية بمهنية عالية. لينخرط مبكراً في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأصبح قيادياً بارزاً. ترأس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب من 2007 إلى 2014، وانتخب برلمانياً، ورئيساً لجماعة شراط التابعة لإقليم بنسليمان. كان زعيم التيار الديمقراطي والانفتاح داخل الحزب، الذي دافع عن الإصلاح الداخلي والانفتاح على القوى اليسارية الأخرى، في مواجهة المحسوبية والزبونية التي انتقدها بشدة. توفي الرجل سنة 2014 في حادث مأساوي بقنطرة وادي الشراط، حيث جرفت مياه الفيضان سيارته وتوفي رحمه الله. لم يكن الحادث مجرد مأساة شخصية؛ بل أصبح رمزاً للنضال الذي انتهى بطريقة تراجيدية، في منطقة شهدت أحداثاً سياسية سابقة كوفاة عبد الله بها ومحاولة إغتيال المهدي بن بركة. ليترك بذلك أحمد الزايدي أرثاً نضالياً يتجاوز الحزب في الدفاع عن الديمقراطية، مكافحة الفساد، والعمل الجماعي الجاد.

لم ينتهِ المشعل مع رحيل الأب. حيث حمله الأبناء بوعي كامل بمسؤولية الإرث الثقيل. هذا و أنجب المرحوم أحمد أزيدي أربعة أبناء، أبرزهم سعاد الزايدي من مواليد 1977 بالرباط وسعيد الزايدي. وقد سلكت سعاد الزايدي طريق والدها حزبياً، حيث بدأت في الاتحاد الاشتراكي ثم انتقلت إلى حزب التقدم والاشتراكية سنة 2016. انتخبت نائبة برلمانية (2016-2021) ضمن اللائحة الوطنية للنساء عن الرباط، وعضواً في لجنة العدل والتشريع. شغلت عدة مناصب مهمة، وشاركت في وفود برلمانية دولية. عملت أيضاً في القطاع البنكي بالتجاري وفا بنك، مما أعطاها خبرة مزدوجة في السياسة والاقتصاد. وتأكيداً لمسيرتها السياسية الحافلة والتزامها بخدمة الوطن، أعلنت اليوم السيدة سعاد الزيدي ترشحها بصفة رسمية خوض غمار الانتخابات البرلمانية المقبلة 2026، مواصلة بذلك إرث عائلتها النضالي ومؤكدة على استمرارية العمل السياسي الهادف.
أما السيد سعيد الزايدي، فهو وريث الإرث الجماعي والبرلماني بامتياز. حيث انتخب نائباً برلمانياً عن دائرة بنسليمان باسم حزب التقدم والاشتراكية، ورئيساً لجماعة شراط لولايتين، الأخيرة بالإجماع. حافظ على نفس الجماعة التي رأسها والده، وركز على التنمية المحلية وسهر على البنية التحتية، الخدمات الاجتماعية، ومواجهة التحديات اليومية للسكان. كان يُنظر إليه كاستمرار للخط الاتحادي-التقدمي كمناضل محلي يجمع بين البرلمان والعمل الترابي. هكذا تحول النضال من المستوى الوطني الحزبي عصر الأب رحمه الله إلى مزيج من العمل البرلماني والجماعي عصر الأبناء، مع الحفاظ على قيم اليسار الديمقراطي والشفافية.

في 5 أكتوبر 2021، اعتقل سعيد الزايدي في الرباط في اطار سيناريو شيطاني محبوك من قبل خصومه السياسيين بالإقليم. ليثم عزله لاحقاً من رئاسة الجماعة وتجريده من منصب البرلمان. لكن الدفاع والمتابعين يرون في القضية “التلبس المخلوق” بامتياز. حيث يعرّف هذا المصطلح عملية تصنيع حالة التلبس مفتعلاً. رغم عدم وجود أدلة صوتية دامغة أو شهود مستقلين، بل تنسيق مسبق بين الشاكي المدفوع من قبل الخصوم الذي هم بالمناسبة يبلغ عددهم 15 شخصا معروفين لدى القاصي و الداني، من بينهم من يقضي حاليا عقوبة سجنية طويلة بالإضافة إلى جهات أخرى لا تزال حرة طليقة و على رأسهم مستثمر معروف بشطحاته مابين جماعتي شراط و عين تيزغة. والتي سبق ووصفها المحامي محمد الحسيني كروط أمام وزير العدل عبد اللطيف وهبي بأنها “فخ مخطط” للإطاحة به سياسياً. في حين كان السيد سعيد الزيدي و لا زال يحضر للانتخابات، ويحافظ على “المشعل” الذي تركه له والده. حيث يرى مراقبون أنها تصفية حسابات سياسية محلية معروف أصحابها، استغلت الجهاز القضائي الذي فطن لقدارتهم لإبعاد منافس مؤثر وقوي. هذه الظاهرة وأعني “التلبس المخلوق” ليست فردية؛ بل أصبحت أداة للإقصاء قبل الاستحقاقات الانتخابية، هدد استقلالية القضاء ونزاهة العملية السياسية برمتها. لكن السيد سعيد الزيدي دافع عن براءته حتى النهاية، معتبراً القضية “فيلماً محبوكاً”.

و رغم الابتلاء الذي تعرض له سعيد الزايدي، فإن عائلة الزايدي تظل شاهداً على استمرارية النضال المغربي. من المرحوم أحمد الزيدي الذي صارع المحسوبية في زمن الاتحاد الاشتراكي، إلى سعيد وسعاد اللذين يمارسان السياسة في عصر التعددية و الخبث الإنتخابي الذي يعرف به إقليم بنسليمان على مر السنين، مؤكدين أن الإرث العائلة لا يُمحى بالمكائد. فقضية “التلبس المخلوق” تطرح أسئلة جوهرية حول حماية المنتخبين من الاستغلال القضائي، وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة. في زمن يحتاج فيه المغرب إلى نخب سياسية نزيهة ومستمرة، لتبقى عائلة الزايدي رمزاً للصمود من الأب إلى الأبناء..نضال لا ينتهي، وإرادة لا تُكسر.