
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
أثارت لقطات فيديو متداولة على نطاق واسع، تظهر تعرض مواطن من أصول إفريقية للعنف من قبل عناصر من الشرطة البلجيكية داخل حافلة نقل عام في مدينة لييج، جدلاً واسعاً حول حدود استخدام القوة الأمنية وضرورة الالتزام بالمعايير القانونية والأخلاقية. إن هذه الحادثة، التي وقعت في 28 نوفمبر 2025، وتضمنت استخدام الهراوات ورذاذ الفلفل لتثبيت الشخص المعني، تضع الاحترافية الأمنية في بلجيكا تحت المجهر وتستدعي تحليلاً متوازناً يراعي كافة الأبعاد.
إن الموقف المبدئي الذي لا يمكن التنازل عنه هو النبذ المطلق للعنف بشتى أنواعه وأشكاله، سواء كان عنفاً يمارسه الأفراد أو تجاوزاً في استخدام السلطة من قبل الأجهزة الأمنية. وفي الوقت ذاته، لا بد من التشديد على أن العيش في أي بلد مضيف، كبلجيكا، يفرض على الجميع، بمن فيهم المواطنون والمقيمون من أصول أجنبية، احترام قوانين البلدة المضيفة ونظامها العام ومؤسساتها. إن احترام القانون هو أساس التعايش السلمي والمفتاح لضمان الحقوق والواجبات للجميع دون تمييز.
وفي سياق الاحترافية، فإن الشرطة البلجيكية، كغيرها من الأجهزة الأمنية في الدول الديمقراطية، مطالبة بالعمل وفق إطار قانوني صارم يحدد ضوابط استخدام القوة. وينص المادة 37 من قانون وظيفة الشرطة البلجيكي بوضوح على أن أي لجوء إلى القوة يجب أن يكون “معقولاً ومتناسباً مع الهدف المنشود”، وأن يسبقه “تحذير، ما لم يجعل ذلك الاستخدام غير فعال”. إن فتح تحقيق داخلي وقضائي في حادثة لييج، كما أكد رئيس جهاز الشرطة في المنطقة، يمثل خطوة إيجابية تؤكد على مبدأ المساءلة وتصميم المؤسسة على ضمان سير العمليات وفقاً للمعايير الديمقراطية، حتى وإن كان الدفاع عن صعوبة المهنة أمراً مشروعاً.
وعلى الصعيد الدولي، فإن استخدام العنف المصحوب بالضرب والإهانة محظور منعاً باتاً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتؤكد المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل موظفي إنفاذ القانون على ضرورة اللجوء إلى الوسائل غير العنيفة قدر الإمكان قبل استخدام القوة، وأن يكون أي استخدام للقوة ضرورياً للغاية ومتناسباً مع الموقف. كما أن حظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والذي يشمل الإهانة والتحقير، هو قاعدة آمرة (Jus Cogens) لا يجوز انتهاكها تحت أي ظرف. إن هذه المبادئ تُلزم بلجيكا، كدولة طرف في الاتفاقيات الدولية، بضمان أن تكون تصرفات أفراد الشرطة متوافقة تماماً مع احترام الكرامة الإنسانية.
وعليه، تبقى حادثة لييج تذكيراً مؤلماً بالتوتر الدائم بين ضرورة فرض الأمن والحفاظ على كرامة الأفراد. إن الطريق إلى مجتمع عادل يمر عبر التزام الجميع، مواطنين ومسؤولين، بسيادة القانون، ونبذ العنف، والعمل على تعزيز الثقة المتبادلة، مع التأكيد على أن الاحترافية الأمنية الحقيقية تكمن في القدرة على تطبيق القانون بأقصى درجات الحزم وأعلى مستويات الإنسانية.