
المصطفى الجوي – موطني نيوز
تتحول المدن أحياناً إلى مسرح لتناقضات صارخة، حيث تتجاور مظاهر التنمية مع مشاهد الإهمال، وفي مدينة بنسليمان، يبرز هذا التناقض بحدة على واجهتها الرئيسية. ففي قلب المدينة وعلى طول شارعها الرئيسي الحسن الثاني، تنتصب “أشباح عمرانية” على شكل بنايات شاهقة غير مكتملة، هياكل إسمنتية عارية تشوه المنظر الحضري وتلقي بظلال من التساؤل حول مدى فعالية المراقبة والمساءلة. هذه الظاهرة، التي لا تقتصر على بنسليمان بل هي امتداد لإشكالية وطنية أوسع، تتخذ في هذا الموقع الاستراتيجي بعداً أكثر إلحاحاً، كونها تعكس فشلاً ذريعاً في حماية الجمالية البصرية للمدينة وتسيء إلى صورتها كمركز حضري.
إن استمرار هذه البنايات في وضعها الحالي، لا سيما في الشارع الرئيسي الذي يعد مرآة المدينة، يطرح علامات استفهام كبرى حول الجهات التي تتحمل مسؤولية هذا التقصير. فالمعلومات المتوفرة تشير إلى أن ظاهرة البنايات غير المكتملة في المغرب بصفة عامة وفي مدينة بنسليمان بصفة خاصة هي نتاج لتضافر عوامل اقتصادية وقانونية وإدارية. فالثغرات القانونية، كإصدار رخص السكن الجزئية سابقاً، كانت تفتح الباب أمام المالكين لإجراء تغييرات عشوائية أو التوقف عن إتمام الأشغال، مما يضع السلطات أمام الأمر الواقع. كما أن ضعف المراقبة وتحديات تطبيق قوانين التعمير، بالإضافة إلى الاستغلال السياسي والإداري من قبل البعض، كلها عوامل ساهمت في تفاقم هذه الفوضى العمرانية. إن الجهات الإدارية والمنتخبة، التي أوكل إليها القانون مهمة السهر على تطبيق ضوابط التعمير والمحافظة على جمالية المدينة، تجد نفسها اليوم في قفص الاتهام، فصمتها أو تراخيها في التعامل مع هذه المخالفات، خاصة تلك التي تقع تحت أنظار الجميع في الشارع الرئيسي، هو تقصير واضح لا يمكن تبريره.
وفي سياق المساءلة، يبرز تساؤل جوهري يتعلق بالجانب المالي، هل تؤدي هذه البنايات غير المكتملة ما بذمتها لخزينة الجماعة كالضريبة على الاراضي الغير مبنية بعد إنقضاء ثلاثة سنوات؟ من الناحية المبدئية، فإن أي مشروع بناء يخضع لرسوم وتراخيص محددة تدفع للجماعة، ولكن استمرار البناية في حالة عدم اكتمال قد يعني التهرب من استكمال الإجراءات النهائية، بما في ذلك الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة، والتي قد تكون مرتبطة برسوم إضافية أو غرامات. والأهم من ذلك، أن هذه البنايات، في حال عدم اكتمالها، لا تدخل بشكل كامل في الوعاء الضريبي الخاص بالسكن أو الأنشطة التجارية، مما يحرم خزينة الجماعة من مداخيل مهمة كان من شأنها أن تساهم في تحسين الخدمات العمومية والبنية التحتية للمدينة. إن هذا الوضع يمثل خسارة مزدوجة، تشويه للمنظر العام وحرمان للمالية المحلية من مواردها المستحقة.
لقد سعت الحكومة المغربية لمواجهة هذه الظاهرة من خلال إجراءات صارمة، أبرزها قرار وزارة الداخلية بوقف منح رخص السكن وشهادات المطابقة إلا بعد إتمام الأشغال بشكل كامل، ومنع الرخص الجزئية. كما تم تفعيل مساطر التسوية للبنايات القائمة غير القانونية، وفرض غرامات مالية صارمة على المخالفين. هذه الإجراءات، وإن كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن فعاليتها تظل رهينة بالتطبيق الصارم والمساءلة الفورية على المستوى المحلي. فمدينة بنسليمان مثلا، وشارعها الرئيسي تحديداً، تحتاج إلى تدخل عاجل وحازم لإنهاء هذا المشهد البائس. يجب على الجهات المعنية، من سلطات محلية ومجلس جماعي، أن ترفع التحدي وتتحمل مسؤوليتها كاملة في تطبيق القانون دون محاباة، والعمل على دمج هذه الهياكل في النسيج العمراني للمدينة أو فرض الإجراءات القانونية اللازمة لضمان إزالتها أو إتمامها، لتعود بنسليمان إلى واجهتها الحضارية التي تستحق.