بنسليمان : رياح التغيير تهب على مدينة أنهكها التسيب والفساد

الحسن بوكوتة عامل إقليم بنسليمان

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

يهب نسيم من التغيير الحازم على إقليم بنسليمان بصفة عامة ومدينة بنسليمان بصفة خاصة، حاملاً معه وعوداً بإنهاء حقبة طويلة من التسيب والفساد الذي نخر في جسد الإقليم عموماً والمدينة خصوصاً. فمنذ توليه مهامه، أطلق العامل الجديد سلسلة من الإجراءات الصارمة التي لا رجعة فيها، معلناً عن مرحلة جديدة عنوانها فرض سيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة. وتأتي هذه التحركات كاستجابة مباشرة لحالة من الجمود والتراخي طالت مشاريع تنموية حيوية، بعضها ظل حبراً على ورق منذ سنة 2010، وهو ما استنكره السيد العامل بشدة خلال اجتماعاته الماراثونية مع السلطات المحلية، معتبراً أنه من غير المعقول أن تبقى مشاريع بهذه الأهمية معلقة لأكثر من عقد من الزمن.

في قلب هذه المعركة ضد الفوضى، يبرز ملف المنطقة الصناعية كنقطة سوداء طال أمدها. فبعد أن كشفت التقارير التي توصل بها السيد العامل عن فضيحة مدوية، تمثلت في استفادة حوالي 53 شركة من بقع أرضية بأثمان تفضيلية دون الالتزام بدفاتر التحملات التي تفرض إنجاز مشاريع وتشغيل اليد العاملة، جاءت التعليمات حاسمة. أُمهل هؤلاء المستفيدون مدة ثلاثة أشهر فقط لإظهار حسن نواياهم والبدء الفعلي في مشاريعهم، وإلا فإن القانون سيأخذ مجراه بسحب هذه البقع التي تحولت في نظر الكثيرين إلى أداة للمضاربة والمتاجرة بدلاً من أن تكون قاطرة للتنمية فالأرض لمن يحرثها. هذا القرار الحازم، الذي يشرف على تنفيذه السيد العامل شخصياً رفقة باشا المدينة، يهدف إلى تطهير الحي الصناعي الذي أحصت فيه السلطة المحلية 194 بقعة، منها 53 أرضاً عارية أو بها بناء لم يكتمل، وأخرى تحولت إلى سكن عائلي أو توقف نشاطها، في فوضى عارمة يجب أن تنتهي. وبالتزامن مع ذلك، أعطى السيد العامل دفعة قوية لأشغال تهيئة الشطر الثاني من المنطقة الصناعية التي بلغت نسبة تقدمها حوالي 15%، في إشارة واضحة على أن عجلة التنمية لن تتوقف.

ولم تقتصر جهود السيد العامل على الملف الصناعي فحسب، بل امتدت لتشمل كافة المشاريع المتعثرة التي كانت سبباً في استياء الساكنة. فقد تم وضع شركة العمران أمام مسؤولياتها، حيث التزمت بإطلاق الأشغال في تجزئة رياض بنسليمان، وهو المشروع الذي طال انتظاره. كما أن مشروع القطب السوسيو-اقتصادي، الذي سيعرف ترحيل الحرفيين وتجار الخضر والفواكه بالجملة، يسير الآن في مساره الصحيح تحت إشراف لجنة تتبع موسعة تجتمع كل 15 يوماً. بالإضافة إلى ذلك، تم إيجاد حلول عملية لمشاكل كانت عالقة منذ سنوات، مثل مشكلة تبليط حي القدس توسيع وتهيئة مساحاته الخضراء عبر تكليف مكتب دراسات متخصص، وكذلك تسوية الوضعية العقارية للحي الإداري عبر لجنة يترأسها السيد الباشا لتحويل الملكية بنفس الأثمنة السابقة. ورغم بعض التحفظات من قِبل قلة من الساكنة، فإن هذه الإجراءات تعكس إرادة قوية لطي صفحة الماضي وفتح آفاق جديدة للتنمية. يبقى السؤال معلقاً حول مدى التزام الأطراف المعنية، خاصة شركة العمران، بتعهداتها هذه المرة، أم أن هذا العامل سينضم إلى لائحة من سبقوه ممن قدمت لهم العمران الوعود ولم تفي بإلتزاماتها عبر مناورات استبدال المدراء للتملص. لكن المؤكد أن الديناميكية الحالية تبعث على التفاؤل، وتؤكد أن إقليم بنسليمان قد دخل بالفعل مرحلة جديدة شعارها العمل الجاد وخدمة الصالح العام.

إن هذه الإرادة الصلبة التي يبديها عامل الإقليم لا تمثل مجرد تحرك إداري روتيني، بل هي بمثابة عملية جراحية دقيقة لاستئصال ورم الفساد الخبيث الذي استشرى في مفاصل التنمية المحلية لسنوات. فمشكلة المنطقة الصناعية ليست مجرد أرقام لبقع أرضية شاغرة، بل هي قصة ضياع آلاف فرص العمل التي كان من الممكن أن تنتشل شباب المنطقة من براثن البطالة، وهي حكاية رؤوس أموال جبانة فضلت المضاربة العقارية السريعة على الاستثمار المنتج والمستدام. إن قرار إمهال المستفيدين ثلاثة أشهر ليس تهديداً فارغاً، بل هو الفرصة الأخيرة التي تمنحها الدولة لمن أخلوا بثقتها، وفرصة لإعادة الأراضي إلى مستحقيها الحقيقيين القادرين على تحويلها إلى مصانع ووحدات إنتاجية تضخ الحياة في اقتصاد الإقليم.

وفي سياق متصل، فإن وضع شركة العمران تحت المجهر ومطالبتها بالوفاء بالتزاماتها، خصوصاً فيما يتعلق بتجزئة “رياض بنسليمان” ومشاريع أخرى، يمثل تحولاً جوهرياً في علاقة السلطة بالشركاء المؤسساتيين. لقد ولّى زمن التسويف والمماطلة الذي سمح بتعليق مصالح المواطنين لسنوات طويلة. إن الاجتماعات الدورية للجنة التتبع الموسعة، التي تجتمع كل أسبوعين، هي آلية ذكية لضمان عدم انحراف المشاريع عن مسارها مرة أخرى، وتحويل الوعود إلى واقع ملموس على الأرض. فحل مشاكل البنية التحتية في أحياء مثل “القدس توسيع” وتسوية الوضعية العقارية المعقدة للحي الإداري، هي خطوات قد تبدو صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في تأثيرها على حياة المواطن اليومية، وتعيد بناء جسور الثقة المفقودة بين الساكنة والإدارة.

إن ما يجري اليوم في بنسليمان هو اختبار حقيقي لمدى فعالية المقاربة الجديدة للدولة في تدبير الشأن المحلي، وهي مقاربة ترتكز على الحزم والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فنجاح العامل الجديد في معركته ضد التسيب لن يُحسب له وحده، بل سيكون نجاحاً للمنظومة بأكملها، ودليلاً على أن رياح التغيير قادرة على اقتلاع جذور الفساد مهما تعمقت. لكن التحدي الأكبر يبقى في استدامة هذا الزخم، وضمان ألا تكون هذه الإجراءات مجرد ردة فعل مؤقتة وحماسة فارغة، بل بداية لثقافة عمل جديدة تضع مصلحة الإقليم والمواطن فوق كل اعتبار. إن الأيام والشهور القادمة ستكون كفيلة بالإجابة على هذا السؤال، وستكشف ما إذا كانت بنسليمان مقبلة بالفعل على فجر جديد طال انتظاره. أم أنها جعجعة بلا طحين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!