
المصطفى الجوي – موطني نيوز
ما وقع بغابة 33، التابعة ترابياً لإقليم بنسليمان وأمنياً لجماعة المنصورية، يطرح علامات استفهام جدية حول مستوى اليقظة الأمنية وطريقة تدبير مسرح الجريمة والتواصل مع وسائل الإعلام. فالمعطيات المتداولة بشأن الفوضى التي شهدتها المنطقة تكشف، عن وجود اختلالات ميدانية لا يمكن اختزالها في الجانب الأمني وحده، بل تمتد أيضاً إلى مسؤولية حراس الغابة التابعين لقطاع المياه والغابات، الذين كان يفترض فيهم التبليغ المبكر عن أي تحركات مشبوهة أو مظاهر انفلات، والتدخل ضمن حدود اختصاصاتهم، أو على الأقل إشعار السلطات المختصة فوراً.
غير أن الإشكال الأبرز لا يرتبط فقط بما حدث داخل الغابة، بل بالطريقة التي جرى بها التعامل مع الموقع بعد تدخل الأجهزة الأمنية. فقد بدا أن تدبير دخول وسائل الإعلام وبعض الأشخاص الفضوليين إلى المكان تم بصورة عشوائية، بما سمح باقتحام مسرح الجريمة والاقتراب من مناطق يفترض أن تظل محمية إلى حين انتهاء عمليات المعاينة والتمشيط وجمع الأدلة. وهذه الممارسة، لا تمت بصلة إلى التدبير الاحترافي لمسرح حادث أو جريمة، لأن الأولوية في مثل هذه الحالات تكون لحماية الآثار وتأمين المكان ومنع أي شخص غير مكلف بالتحقيق من دخوله.
إن السماح بتوافد أعداد من الأشخاص إلى الغابة، على مدى ثلاثة أيام متتالية، من دون التحقق الدقيق من هوياتهم وصفاتهم، ومن دون التمييز الواضح بين الصحفيين المعتمدين والعموم، يطرح مخاطر حقيقية على سير التحقيق. فاختلاط الأشخاص والروائح والآثار قد يربك عمل المحققين، كما يمكن أن يؤثر في فعالية الكلاب البوليسية التي تعتمد على الروائح والمسارات لتتبع الأدلة. والأخطر من ذلك أن غياب الضبط قد يتيح لأشخاص لهم صلة محتملة بالوقائع أو بشبكات إجرامية أن يتابعوا مجريات البحث عن قرب، مستفيدين من حالة التسيب والازدحام التي يفترض أن تمنعها الأجهزة المكلفة بحماية الموقع.
ولا يمكن اعتبار كل من دخل الغابة خلال تلك الفترة مراسلاً صحفياً، خصوصاً في ظل غياب شارات أو صدريات أو اعتماد مهني واضح يميز الصحفيين عن باقي الحاضرين. فحرية الصحافة وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومة لا يعنيان إلغاء القواعد الأساسية لحماية مسرح الجريمة، كما أن حضور الإعلام لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لترك الموقع مفتوحاً أمام كل من يرغب في التصوير أو الاقتراب أو نشر مقاطع مباشرة عبر الهواتف.
لقد ساهمت الهواتف المحمولة ومقاطع التصوير المتداولة في توسيع نطاق القضية وتحويلها إلى موضوع يتابعه الرأي العام داخل المغرب وخارجه. غير أن هذا الانتشار لا ينبغي أن يحجب السؤال الجوهري : هل يتعلق الأمر بتكريس للشفافية وإشراك الإعلام، أم بتحويل موقع حساس إلى فضاء مفتوح لنشر تفاصيل غير مكتملة، وربما متضاربة، بما يضر بصورة المؤسسات ويؤثر في مسار التحقيق؟ فالشفافية الحقيقية لا تعني الفوضى، ولا تعني ترك وسائل الإعلام والعموم يتجولون في موقع يفترض أن يخضع لإجراءات صارمة، بل تقتضي تقديم معلومات دقيقة ومنتظمة عبر قنوات رسمية ومسؤولة.
كان من المفترض أن تبادر القيادة الأمنية المشرفة على العمليات إلى عزل الغابة بالكامل، ومنع دخول غير المكلفين بالبحث، مع تحديد منطقة آمنة لوسائل الإعلام بعيداً عن مسرح الجريمة. وكان يتعين أيضاً تعيين ناطق رسمي أو مسؤول مكلف بالتواصل، يتولى تقديم حصيلة يومية حول عمليات التمشيط وتطورات البحث، من دون الكشف عن معطيات قد تضر بسرية التحقيق. وبهذه الطريقة كان من الممكن ضمان حق الصحافة في المعلومة، وحماية الأدلة في الوقت نفسه، بدل ترك المجال مفتوحاً أمام الاجتهادات الفردية والتغطيات غير المنضبطة بحثا عن المشاهدات وأموال الأدسنس على حساب صورة المغرب أمام أعدائها و المتربصين بها.
إن التعامل الاحترافي مع الإعلام لا يتم عبر إقصائه، كما لا يتم عبر السماح له باقتحام مواقع حساسة، وإنما من خلال تنظيم حضوره وتحديد شروطه ومساحاته. ففي القضايا الأمنية، يكون الصحفيون عادة في نقاط بعيدة وآمنة، ويحصلون على المعطيات من مصدر رسمي واضح، بينما تظل عملية المعاينة وجمع الأدلة محصورة في الفرق المختصة. أما أن يصطف العشرات داخل أو قرب موقع البحث، من دون مراقبة صارمة أو تمييز بين صفاتهم، فذلك يعكس ارتجالاً في تدبير الأزمة أكثر مما يعكس شفافية مؤسساتية.
وإذا كانت المسؤولية الأولى عن حماية الغابة ومنع الفوضى تقع على عاتق الجهات المكلفة بالحراسة والتدبير، فإن مسؤولية الأجهزة الأمنية تبدأ منذ لحظة إشعارها بالوقائع، وتشمل تأمين المكان وحماية الأدلة وتنظيم الولوج والتواصل مع الرأي العام. لذلك فإن ما حدث في غابة 33 يستدعي فتح نقاش جدي حول طريقة التنسيق بين مصالح المياه والغابات والسلطات المحلية والأجهزة الأمنية، كما يستدعي تحديد المسؤوليات بشأن السماح بدخول أشخاص غير معنيين وفضوليين إلى موقع حساس خاصة عند العثور على جثتين.
القضية لا تتعلق فقط بما جرى داخل الغابة، بل أيضاً بكيفية إدارة الدولة لصورة الحدث أمام المواطنين ووسائل الإعلام. فترك الأمور تسير من دون خطة واضحة قد يحول واقعة أمنية إلى أزمة ثقة، ويجعل المؤسسات تبدو عاجزة عن ضبط موقع يفترض أن يكون تحت سيطرتها. المطلوب اليوم ليس التضييق على الصحافة، بل تنظيم عملها، وليس حجب المعلومات، بل تقديمها عبر مخاطب رسمي وبشكل منتظم. أما استمرار العشوائية في التعامل مع مسرح الجريمة ومع الإعلام، فسيبقى دليلاً على أن الخلل لم يكن في الواقعة وحدها، بل في طريقة تدبيرها أيضاً.