
المصطفى الجوي – موطني نيوز
يقول الله تعالى في محكم تنزيله : ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وفي الآية دعوة صريحة إلى الإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه، وعدم تحميل الناس ما لم يفعلوه.
وتأتي هذه الآية مناسبةً لما يتعرض له السيد كمال شتوان، باشا مدينة بنسليمان، من حملة انتقادات حادة لا تستند إلى معطيات دقيقة. فقد وجد الرجل نفسه في قلب جدل واسع بسبب إغلاق السوق المركزي القديم وهدمه، وكأنه صاحب القرار فيهما. والواقع أن المسؤول الترابي وأعوان السلطة يضطلعون بدور محدد قانوناً، هو تنفيذ القوانين والقرارات الصادرة عن الجهات المختصة، وفي مقدمتها المجلس الجماعي.

وللحقيقة وللتاريخ، فإن الوثائق الرسمية التي بحوزتنا تقول غير ما يُروَّج. فبتاريخ 22 ماي 2026، أصدر السيد محمد اجديرة، رئيس المجلس الجماعي، القرار عدد 2026/04 القاضي بالإغلاق النهائي للسوق المركزي القديم، معللاً ذلك بتعارضه مع مشروع التهيئة المزمع إنجازه. وبذلك أصبحت السلطة المحلية ملزمة بتنفيذ هذا القرار ابتداءً من تاريخ صدوره. ثم أصدر رئيس الجماعة بتاريخ 4 شتنبر 2026 القرار عدد 31 القاضي بهدم السوق، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة عند الشروع في عملية الهدم وبحضور مكتب دراسات مختص.

والخلاصة التي تفرضها هذه الوثائق أن قرارَي الإغلاق والهدم صادران عن الجماعة، وأن السلطة المحلية بقيادة الباشا قامت بما يخوله لها القانون من تنفيذ. ومن الإنصاف أن يُوجَّه النقاش العمومي، إن كان هناك مأخذ على القرارين، إلى الجهة التي أصدرتهما، لا إلى من نفّذهما. أما محاولة تقديم السلطة في صورة الطرف المسؤول، تفادياً لمواجهة الساكنة وحرصاً على رصيد انتخابي، فلا تخدم الحقيقة ولا تخدم المدينة.
ولا يخفى أن بنسليمان في حاجة ماسة إلى تهيئة حقيقية. وحسب معلومات توصل بها “موطني نيوز”، فقد توصلت عمالة الإقليم بغلاف مالي يناهز ستة ملايير سنتيم مخصص لتهيئة شارع الحسن الثاني وتزيينه، وهو مبلغ كان قد اختفى في ظروف جائحة كورونا قبل أن تتم إعادته إلى المدينة. وهو مشروع من شأنه أن يمنح الحاضرة وجهاً يليق بساكنتها وزوارها.
وفي المقابل، يرى كثيرون أن السوق المركزي القديم بات عبئاً على المدينة وعلى جماليتها، بحكم حالته المتردية وما يعانيه من اختلالات في النظافة والتنظيم. أما القول إنه معلمة تاريخية، فيحتاج إلى مراجعة، لأن المعلمة التاريخية بالمفهوم المتعارف عليه هي كل بناء هندسي أو معلم معماري أو أثري يشهد على حضارة معينة، أو يوثق حدثاً تاريخياً مهماً أو تطوراً بارزاً في حياة الشعوب، كالقصور والقلاع والمساجد والأسوار والمعابد القديمة وأطلال المدن والكهوف التاريخية. وسوق من هذا النوع، مهما كانت ذكريات الناس معه، لا ينطبق عليه هذا التعريف، ووصفه بالمعلمة التاريخية فيه مجانبة للصواب.
ويبقى النقد المسؤول حقاً مشروعاً ما دام قائماً على المعطيات الصحيحة، وموجهاً إلى أصحاب القرار الفعليين. أما تحميل رجل السلطة تبعات قرارات لم يصدرها، فهو بخس لحقه وظلم للحقيقة، وتلك أول ما حذّرت منه الآية الكريمة.
وهي في الحقيقة رسالة واضحة للساكنة التي تتمتع بذاكرة السمكة وتبيع صوتها عند كل محطة انتخابية دون أن تحاسب من انتخبوهم وخانوهم.