فاطمة الزهراء المنصوري : من تدبير محلي إلى رئاسة الحكومة بعيدا عن التفاهة الإعلامة و إستحمار الشعب المغربي

السيد عبد الله رحيوي مدير موطني نيوز
السيد عبد الله رحيوي مدير موطني نيوز

بقلم عبد الله رحيوي – موطني نيوز

سطحيا، يمكن تقديم فاطمة الزهراء المنصوري سياسية ومحامية مغربية، ولدت سنة 1976 بمدينة مراكش. حصلت على شهادة البكالوريا، ثم تابعت دراستها الجامعية في القانون، قبل أن تواصل تكوينها الأكاديمي في مجال القانون الدولي. تنتمي إلى حزب الاصالة والمعاصرة، وارتبط مسارها السياسي بمدينة مراكش، حيث تولت رئاسة مجلسها الجماعي لأول مرة سنة 2009، ثم عادت إلى المنصب سنة 2021. وفي السنة نفسها، شغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والاسكان وسياسة المدينة. كما تدرجت داخل القيادة الحزبية، فكانت عضوة في القيادة الجماعية للحزب منذ فبراير 2024، قبل أن تتولى مهمة منسقة للحزب. وفي 29 شتنبر 2026، عينت رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب.

وبالنالي، لم يكن إعلان تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، اليوم 29 شتنبر 2026، مجرد محطة جديدة في مسارها السياسي، بل شكل حدثا سياسيا ومؤسساتيا غير مسبوق في تاريخ المغرب، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المملكة. وجاء التعيين عقب تصدر حزب الاصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر، بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395.

غير أن اختزال هذه اللحظة في صفة «أول امرأة» قد يحجب جانبا أساسيا من القصة، يتمثل في مسار سياسي طويل ومتعدد المحطات، انتقلت خلاله المنصوري من تدبير الشأن المحلي بمدينة مراكش إلى المؤسسة التشريعية، ثم إلى العمل الحكومي والقيادة الحزبية، وصولا إلى رئاسة الحكومة.
من مراكش بدأت الحكاية.

برز اسم فاطمة الزهراء المنصوري وطنيا من خلال تجربتها في تدبير مدينة مراكش، حيث تولت رئاسة المجلس الجماعي سنة 2009، قبل أن تعود إلى المنصب نفسه سنة 2021.

وخلال تجربتها المحلية، قدمت، بحسب معطيات عرضتها أثناء الحملة الانتخابية، حصيلة تضمنت 311 مشروعا منجزا أو في طور الإنجاز، باستثمارات إجمالية تجاوزت 12 مليار درهم، فيما جرى تمويل نحو 9 مليارات درهم منها في إطار اتفاقيات وشراكات. وتظل هذه الأرقام، بطبيعة الحال، حصيلة قدمتها المنصوري خلال الحملة الانتخابية، ولا تمثل تقييما مستقلا لأدائها.

ولا تقتصر أهمية هذه التجربة على حجم المشاريع، بل تشمل أيضا وضع المنصوري مبكرا في موقع المسؤولية التنفيذية المباشرة، حيث يتعين على المسؤول المنتخب التعامل مع قضايا يومية تتصل بالتخطيط والتجهيز والنقل والمرافق والخدمات العمومية.

الجدير بالذكر أنه، إلى جانب تجربتها في تدبير مراكش، راكمت المنصوري حضورا داخل المؤسسات السياسية والحزبية، من خلال البرلمان وهياكل حزب الاصالة والمعاصرة، قبل انتقالها إلى موقع أكثر مركزية داخل السلطة التنفيذية.

ومن خلال هذه المحطات، تبلورت ملامح مسار متعدد الأبعاد جمع بين التجربة الانتخابية المحلية، والحضور التشريعي، والمسؤولية الحكومية، ثم المسؤولية الحزبية الوطنية.

وفي فبراير 2024، دخل حزب الاصالة والمعاصرة مرحلة القيادة الجماعية، وكانت المنصوري من أبرز وجوهها، قبل أن تضطلع لاحقا بدور منسقة للحزب.

وبذلك، لم تعد تجربتها مرتبطة بتدبير مدينة أو قطاع حكومي فحسب، بل أصبحت تشمل أيضا إدارة حزب سياسي وما يرافق ذلك من رهانات تنظيمية وانتخابية وتحالفية.

في هذا السياق، و منذ سنة 2021، تولت فاطمة الزهراء المنصوري حقيبة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والاسكان وسياسة المدينة، وهي وزارة ترتبط بملفات ذات أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، خصوصا السكن والتعمير وإعادة الإعمار.

وفي إطار برنامج الدعم المباشر للسكن، أظهرت المعطيات الرسمية أن عدد المستفيدين بلغ 71114 شخصا إلى غاية 27 أكتوبر 2025، من أصل أكثر من 171 ألف طلب. وكان 54 في المائة من المستفيدين دون سن الاربعين، فيما شكلت النساء 47 في المائة منهم. كما استفاد 63 في المائة من دعم قدره 70 ألف درهم، مقابل 37 في المائة حصلوا على 100 ألف درهم.

وبحسب معطيات رسمية أخرى، بلغ عدد الشباب دون الاربعين المستفيدين من البرنامج 36576 شخصا، فيما تجاوزت القيمة الإجمالية للعقارات المرتبطة بهذه الاستفادة 15،21 مليار درهم.

وفي ملف إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، أعلنت الحكومة في نونبر 2025 إعادة بناء 53648 مسكنا، إلى جانب إصدار 58945 رخصة بناء، ضمن ورش واسع لإعادة الإعمار.

ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة إصدار حكم نهائي على الحصيلة السياسية للمنصوري، لكنها توضح طبيعة الملفات التي أدارتها، كما تعكس انتقال مسؤولياتها من المستوى المحلي إلى تدبير برامج وطنية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية ومجالية، بما لها و ما عليها، و إن كانت لم تحقق النتائج المتوخاة، فلا ينبغي تحميل السيدة ما فوق طلقتها.

مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، أصبحت المنصوري في قلب الاستعدادات السياسية لحزب الاصالة والمعاصرة..وفي انتخابات 23 شتنبر 2026، حصل الحزب على 97 مقعدا من أصل 395، مقابل 87 مقعدا في انتخابات 2021، ليحتل المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد. وبلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة، مقابل 50 في المائة سنة 2021.

ومكنت هذه النتيجة حزب الاصالة والمعاصرة من التقدم للمشاركة في تشكيل الحكومة الجديدة، قبل أن يعلن القصر الملكي، في 29 شتنبر، تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها.

مهما يكن،.تفرض المقارنة مع رئيس الحكومة السابق عزيز أخنوش نفسها، ليس بهدف تحديد «من هو الأقوى»، بل لفهم اختلاف المسارين السياسيين اللذين قادا إلى رئاسة الحكومة.
دخل أخنوش الحياة السياسية الوطنية من بوابة مختلفة، إذ جمع بين التجربة الاقتصادية ومجال الأعمال، والمسؤولية الحكومية، ثم قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة سنة 2021.

أما المنصوري، فتشكل مسارها بدرجة أكبر داخل المؤسسات المنتخبة والحزبية، بدءا من رئاسة مجلس جماعي لمراكش، مرورا بالحضور البرلماني والمسؤولية الحكومية، ثم الأدوار القيادية داخل حزب الاصالة والمعاصرة، وصولا إلى قيادة الحزب في انتخابات 2026 ورئاسة الحكومة.

وعليه، فنحن أمام مسارين مختلفين من حيث نقطة الانطلاق وطبيعة الخبرة المتراكمة: أحدهما مر أساسا عبر المجال الاقتصادي والحكومي والحزبي، والآخر عبر التدبير المحلي والبرلمان والوزارة والعمل الحزبي. وتظل المقارنة الموضوعية بين التجربتين مرتبطة بالمعايير المعتمدة في تقييم كل منهما، لا بترتيب مسبق بين الشخصيتين.

لا يمكن قراءة وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة بمعزل عن التحولات التي عرفتها الديمقراطيات الحديثة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فقد استغرق وصول النساء إلى أعلى مواقع القرار التنفيذي في عدد من الدول عقودا من التطور السياسي والمؤسساتي. وكانت المملكة المتحدة إحدى المحطات البارزة في هذا المسار، عندما أصبحت مارغريت تاتشر سنة 1979 أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة البريطانية، واستمرت في المنصب حتى سنة 1990.

وفي ألمانيا، أصبحت أنجيلا ميركل سنة 2005 أول امرأة تتولى منصب المستشارة الاتحادية، واستمرت في قيادة الحكومة الألمانية حتى سنة 2021، أي لمدة 16 عاما.
كما شهدت دول أخرى تجارب نسائية في قيادة الحكومات ضمن سياقات سياسية مختلفة، من نيوزيلندا إلى الدول الاسكندنافية وكندا وأستراليا. ويؤكد ذلك أن وصول المرأة إلى قمة السلطة التنفيذية لم يعد ظاهرة مرتبطة بنظام سياسي واحد أو بمنطقة جغرافية محددة.

مع ذلك، لم يصل المسار العالمي إلى المساواة الكاملة. فوفق بيانات الأمم المتحدة للمرأة والاتحاد البرلماني الدولي، كانت النساء، في مطلع سنة 2025، يرأسن الدولة أو الحكومة في 25 بلدا فقط، بينما لم تتجاوز نسبتهن في البرلمانات العالمية 27٪، وفي المناصب الوزارية 22% . كما أن 102 دولة لم تكن قد عرفت، إلى ذلك التاريخ، تولي امرأة منصب رئيس الدولة أو الحكومة.

وتندرج التجربة المغربية الجديدة، بذلك، ضمن مسار دولي طويل بدأ منذ عقود، وانتقلت خلاله المرأة تدريجيا من المشاركة السياسية إلى مواقع القرار التنفيذي الأعلى، مع احتفاظ كل دولة بسياقها الدستوري والسياسي والمؤسساتي الخاص.

في السياق المغربي، تحمل لحظة تعيين المنصوري دلالة إضافية، لأنها جاءت بعد مسار طويل داخل المؤسسات السياسية، لا من خارجها.

فالمنصوري ليست وافدة حديثة إلى المشهد السياسي؛ فقد راكمت تجربة في تدبير مدينة كبرى، وحضورا داخل البرلمان والحزب، وتجربة حكومية منذ 2021، ثم اضطلعت بدور قيادي داخل حزبها، قبل أن تقود المرحلة الانتخابية التي انتهت بتصدر الحزب للانتخابات التشريعية.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن اختزال وصولها إلى رئاسة الحكومة في عامل الجنس وحده، كما لا يمكن فصل دلالته الرمزية عن المسار السياسي والمؤسساتي الذي سبق هذه اللحظة.

يبقى التحدي الحقيقي أمام فاطمة الزهراء المنصوري، بعد لحظة التعيين التاريخية، هو الانتقال من رمزية الحدث إلى مسؤولية التدبير.

فالحكومة الجديدة ستكون مطالبة بالتعامل مع ملفات اقتصادية واجتماعية ومجالية متعددة، في مرحلة تستعد فيها المملكة لاستحقاقات كبرى، من بينها التحضيرات لكأس العالم 2030، إلى جانب ملفات التشغيل والخدمات العمومية والاستثمار والقدرة الشرائية.

لذلك، لن تتحدد القيمة السياسية الفعلية لهذه التجربة بكون المنصوري أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة فحسب، بل بما ستنتجه المرحلة المقبلة من قرارات وسياسات ونتائج قابلة للقياس.

ومن هنا، ينبغي أن ينتقل النقاش من سؤال «هل تستطيع امرأة قيادة الحكومة؟» إلى سؤال أكثر ارتباطا بالمؤسسات والديمقراطية: «ما الذي ستفعله الحكومة الجديدة، وما النتائج التي ستقدمها للمغاربة؟».

ويبين التاريخ السياسي للدول المتقدمة أن وصول المرأة إلى قمة السلطة لم يكن نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة من المساءلة السياسية على أساس البرامج والقرارات والنتائج.
وبالنسبة إلى المغرب، قد يكون تعيين فاطمة الزهراء المنصوري لحظة تاريخية من حيث تمثيل المرأة في أعلى موقع تنفيذي، لكن الأهم سيظل قدرة التجربة على تحويل هذا الحدث الرمزي إلى أداء حكومي ملموس. وفي نهاية المطاف، ينبغي أن تقاس التجربة بما ستقدمه للمواطنين وللدولة، بعيدا عن جنس رئيسة الحكومة أو الرمزية التاريخية لوصولها إلى المنصب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!