الجنسية الإسبانية للصحراويين…!!

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز

لم تكتفِ الحكومة الإسبانية بإدارة خلافاتها مع المغرب عبر القنوات الدبلوماسية، بل اختارت مرة أخرى الزج بملف حساس في صلب التوتر الثنائي : ملف الجنسية المرتبط بالصحراء المغربية. فتمرير مجلس النواب الإسباني لمقترح يفتح مساراً استثنائياً أمام فئات من الصحراويين للحصول على الجنسية الإسبانية لا يبدو مجرد إجراء إداري أو مبادرة إنسانية معزولة، بل يكشف عن نزوع مدريد إلى استعمال القانون الداخلي أداةً لإعادة إنتاج رواية سياسية تخدم حساباتها في مواجهة المغرب.

إن الحكومة الإسبانية مطالبة بأن تدرك أن التاريخ الاستعماري لا يمنحها رخصة مفتوحة للتدخل في حاضر المنطقة ومستقبلها. فكون إسبانيا أدارت الصحراء خلال مرحلة تاريخية سابقة لا يخولها تحويل وثائق الإدارة الاستعمارية إلى وسيلة لإحياء نفوذ سياسي على إقليم لم تعد تملك فيه أي سلطة. والأخطر من ذلك أن استعمال الجنسية في هذا السياق يوحي بمحاولة استثمار إرث استعماري لم تُغلق مدريد ملفاته بصورة مسؤولة، بدل التعامل مع ماضيها بمنطق الاعتراف التاريخي والاحترام الكامل لسيادة المغرب ووحدته الترابية.
وبحسب المعطيات المنشورة، يستهدف المقترح أشخاصاً وُلدوا في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية، ويقترح تمكينهم من مسار استثنائي يعرف في القانون الإسباني بـ”التجنيس بمرسوم خاص” (Carta de Naturaleza)، مع الاعتماد على وثائق قديمة لإثبات الصلة بالإقليم. وحتى إذا اعتبرت مدريد أن منح الجنسية يدخل في اختصاصها الداخلي، فإنها لا تستطيع أن تتجاهل أن اختيار هذا التوقيت وهذه الفئة وهذا السياق السياسي يحمل رسالة تتجاوز المجال الإداري. فالقانون، حين يُنتقى لتغذية نزاع إقليمي، يفقد حياده المعلن ويتحول إلى أداة ضغط دبلوماسي.
ومن الناحية القانونية، لا تمنح الجنسية الإسبانية لإسبانيا أي سيادة على الصحراء المغربية، ولا تغير الحدود، ولا تنشئ مركزاً إقليمياً جديداً. فالجواز الإسباني لا يرسم خريطة، وشهادة التجنيس لا تصنع حقاً إقليمياً، والقانون الداخلي لدولة ما لا يمكن أن يفرض تفسيره على دولة أخرى أو على المجتمع الدولي. وإذا كانت مدريد تعرف هذه القاعدة، فإن إصرارها على توظيف الجنسية في قضية الصحراء لا يمكن فهمه إلا باعتباره محاولة سياسية للتأثير في الوعي الدولي، ولو من خلال إجراءات لا تنتج، من الناحية القانونية الصرفة، الأثر الذي تريده.
كما أن هذا التوجه يكشف تناقضاً واضحاً في الخطاب الإسباني. فمدريد تريد من المغرب أن يكون شريكاً موثوقاً في ملفات الهجرة والأمن ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، لكنها في الوقت نفسه تتخذ خطوات تستفز المغرب وتمس إحدى قضاياه الوطنية الأساسية. لا يمكن للحكومة الإسبانية أن تطلب تعاوناً استراتيجياً واسعاً، وأن تتصرف في القضايا المرتبطة بالسيادة المغربية بمنطق الوصاية أو المناورة. فالشراكة لا تُبنى على ازدواجية المواقف، ولا يمكن أن تكون المصالح الاقتصادية والأمنية سبباً للتقارب حين تحتاج إليها إسبانيا، بينما تتحول القضايا السيادية المغربية إلى مجال للمزايدة السياسية داخل البرلمان الإسباني.
ويمنح القانون المغربي، بدوره، أساساً واضحاً للتعامل مع هذه المسألة. فالظهير الشريف رقم 1.58.250 بمثابة قانون الجنسية المغربية يميز بين اكتساب جنسية أجنبية وفقدان الجنسية المغربية. وبموجب الفصل 19، فإن اكتساب المغربي الراشد جنسية أجنبية طوعاً في الخارج لا يؤدي تلقائياً إلى فقدان الجنسية المغربية، إذ يتطلب الأمر صدور مرسوم يأذن بالتخلي عنها. كما يحدد الفصل 20 تاريخ سريان أثر الفقدان بتاريخ نشر المرسوم. وهذه المقتضيات تؤكد أن الجنسية المغربية ليست وضعاً قابلاً للمحو بقرار أجنبي، وأن مدريد لا تملك، عبر قانونها الداخلي، إعادة تعريف علاقة المغاربة بوطنهم أو فرض نتائج قانونية على المغرب.
وبإمكان المغرب، في مواجهة هذا السلوك الإسباني، أن يدرس مسطرة قانونية واضحة لتسوية وضعية كل من يثبت أصله المغربي، من دون أن يسمح للحكومة الإسبانية باحتكار تمثيل فئة من أبناء الصحراء أو اختزال هويتهم في وثيقة إسبانية. وينبغي أن تقوم هذه المسطرة على إثبات النسب والروابط العائلية والوثائق المدنية وسائر وسائل الإثبات القانونية، وأن تكون عامة وغير تمييزية. فالمطلوب ليس معاقبة الأفراد على اكتساب جنسية أجنبية، بل منع تحويل التجنيس الإسباني إلى أداة لاقتلاع الانتماء المغربي أو لفرض قراءة سياسية للهوية.
وفي المجال الدبلوماسي، يتعين على الرباط أن تواجه مدريد بلغة قانونية صريحة : الجنسية شأن سيادي داخلي، لكن توظيفها للإيحاء باستمرار مسؤولية إسبانية خاصة عن الصحراء أو لإنتاج أثر سياسي على وضع الإقليم أمر مرفوض. وعلى الحكومة المغربية أن تطلب من نظيرتها الإسبانية توضيحات رسمية حول نطاق المقترح، وأن تضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤولية عدم السماح باستعمال تشريع وطني لتقويض علاقات الجوار أو المساس بمصالح دولة شريكة. فالصمت أمام هذه الممارسات قد يُفهم، خطأً، على أنه قبول بتدرج التدخل الإسباني في قضايا لا تخصها.
ولا يعني الرد القوي الدخول في مغامرة عسكرية أو قطع التعاون بصورة انفعالية. لكنه يعني أن تعرف الحكومة الإسبانية أن التعاون الأمني والهجرة وحماية الحدود ليس امتيازاً تمنحه مدريد للمغرب، بل شراكة متبادلة تستفيد منها إسبانيا وأوروبا بدرجة كبيرة. وإذا أصرت مدريد على استعمال الملفات السيادية المغربية للضغط السياسي، فمن حق الرباط أن تعيد تقييم مستوى التعاون وأولوياته، وأن تربطه باحترام متبادل واضح وبالتزامات قابلة للقياس، في إطار القانون والاتفاقيات النافذة.
وينطبق الأمر نفسه على العلاقات الاقتصادية. فالمغرب ليس سوقاً مضموناً للشركات الإسبانية، ولا فضاءً يمكن أن تحصل فيه هذه الشركات على الأفضلية تلقائياً بينما تنخرط حكومتها في سياسات معادية للمصالح المغربية. يستطيع المغرب، في حدود القانون والاتفاقيات، أن يعزز المنافسة وأن ينوع شركاءه وأن يوجه المشاريع المستقبلية نحو بدائل أوروبية ودولية، من دون المساس التعسفي بالاستثمارات القائمة أو مخالفة الالتزامات التعاقدية. إن تنويع الشركاء ليس تهديداً لإسبانيا، بل رسالة عملية إلى حكومتها مفادها أن القرارات السياسية لها كلفة اقتصادية، وأن المغرب لن يقبل بعلاقة تقوم على أخذ المصالح وتصدير الاستفزازات.
أما سبتة ومليلية، فإن أي إعادة تقييم للترتيبات التجارية والحدودية المرتبطة بهما يجب أن تتم بقرارات قانونية محسوبة، بعيداً عن التصعيد العسكري أو العقاب الجماعي. غير أن احترام القانون لا يعني أن يظل المغرب أسير ترتيبات تخدم الاقتصاد المحلي للمدينتين بينما تتجاهل مدريد المطالب المغربية المشروعة. فإعادة تنظيم حركة السلع والأشخاص، وتشديد الرقابة الجمركية، ومراجعة الترتيبات الاقتصادية، كلها أدوات سيادية يمكن استعمالها بقدر من المسؤولية والوضوح، بما يضع الحكومة الإسبانية أمام حقيقة أن إدارة العلاقة بمنطق الضغط لم تعد مقبولة.
وتحاول مدريد، من خلال هذا النوع من المبادرات، أن تقدم نفسها طرفاً تاريخياً أو أخلاقياً في قضية الصحراء، بينما تكشف ممارساتها أنها تستعمل الماضي الاستعماري انتقائياً كلما أرادت الضغط على المغرب. فإذا كانت إسبانيا جادة في احترام القانون الدولي، فعليها أن تفصل بين حقها في تنظيم جنسيتها وبين أي محاولة لاستثمار ذلك التنظيم في نزاع إقليمي. أما استخدام الجنسية لإعادة إنتاج نفوذ قديم، فهو سلوك سياسي مرفوض، ولن يحول الوثائق الإدارية إلى سند للسيادة.
إن الرد المغربي الأكثر قوة هو الذي يجمع بين الحزم والذكاء : تفعيل قانون الجنسية، حماية الانتماء المغربي، مواجهة مدريد دبلوماسياً وقانونياً، تنويع الشراكات الاقتصادية، وربط التعاون الثنائي بالاحترام المتبادل. فالحكومة الإسبانية لا تحتاج إلى مزيد من الدروس في التاريخ، بل إلى تذكير واضح بأن المغرب ليس مجالاً خلفياً للسياسة الإسبانية، وأن الشراكة لا تعني التغاضي عن الاستفزاز، وأن كل محاولة لتوظيف الجنسية أو الهجرة أو الاقتصاد ضد المصالح المغربية ستقابل بإعادة ترتيب العلاقة على أساس الندية. لقد آن لمدريد أن تفهم أن المغرب لا يقبل أن تتحول قوانينها الداخلية إلى أدوات ضغط على سيادته، وأن الجواز الإسباني لا يرسم الحدود، ولا يختصر هوية الصحراويين، ولا يغير حقيقة أن قضية الصحراء المغربية لا تُحسم بمناورة تشريعية داخل البرلمان الإسباني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!