
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لا تريد إسبانيا من العالم أن يرى كتالونيا كما هي، بل كما تريد مدريد أن تُعرض: إقليماً متمرداً، وشعباً مشاغباً، وانتخابات لا قيمة لها، وشرطة لا تخطئ، وقضاء لا يُناقش. لكن وراء هذه الرواية الرسمية تختبئ حقيقة أكثر قسوة : دولة مركزية لم تتصالح مع تعدد هوياتها، وتتعامل مع المطالبة الديمقراطية بالكرامة والاختيار السياسي باعتبارها تهديداً أمنياً يجب سحقه، لا قضية سياسية يجب حلها.
إن وصف العلاقة بين مدريد وكتالونيا بأنها استعمارية أو استعبادية ليس وصفاً قانونياً حسمته محكمة دولية، لكنه يعبّر عن تجربة تاريخية لا يجوز السخرية منها أو شطبها بمرسوم. فدولة فرانكو لم تكتفِ بإلغاء مؤسسات الحكم الذاتي؛ لقد حاربت اللغة والثقافة والرموز والأحزاب والنقابات، وحوّلت الهوية الكتالونية إلى شبهة سياسية. وتشير المصادر التاريخية إلى محاكمات وإعدامات واسعة في نطاق “البلدان الكتالونية”، مع ضرورة التنبيه إلى أن هذه الأرقام لا تخص إقليم كتالونيا الحالي وحده. كما تُظهر دراسة أكاديمية أن سياسة فرانكو انتقلت من القمع المباشر إلى التسامح الانتقائي ثم إلى استيعاب الثقافة الكتالونية وتوظيفها لمصلحة النظام، لا إلى اعتراف حقيقي بحقوق شعبها.

بعد سقوط الديكتاتورية، لم تُسلَّم كتالونيا حقها في تقرير مستقبلها، بل أُعيد إدماجها داخل صيغة إسبانية صُممت لتضمن وحدة الدولة أولاً. صحيح أن الحكم الذاتي عاد عام 1977، ثم كُرّس دستورياً عام 1978، لكن هذا الحكم بقي محكوماً بسقف مدريد وبسيادة تنسبها المادة الأولى من الدستور إلى “الشعب الإسباني” كله. وهكذا قُدّم الحكم الذاتي باعتباره تنازلاً سخياً من المركز، لا حقاً سياسياً لشعب يملك لغة وهوية ومؤسسات وذاكرة تاريخية خاصة.
المشكلة أن إسبانيا تريد من كتالونيا أن تكون ذاتية الحكم عندما يتعلق الأمر بتمويل الدولة وإدارة الخدمات، وأن تكون مجرد إقليم تابع عندما يتعلق الأمر بالهوية والقرار السياسي. وعندما أقر الكتالونيون نظاماً أساسياً جديداً عام 2006، جرى تمريره عبر المؤسسات الإسبانية واستفتاء سكان الإقليم، ثم أُحيل إلى المحكمة الدستورية بعد حملة سياسية قادها خصومه. فجاء حكم المحكمة الدستورية عام 2010 ليبطل أحكاماً ويفرغ عبارات جوهرية من أثرها القانوني، مؤكداً أن كلمة “أمة” لا تمنح الكتالونيين أي سيادة. لم يكن ذلك مجرد خلاف تقني؛ لقد كان رسالة سياسية فظة : يمكن لكتالونيا أن تصوّت، لكن مدريد تحتفظ بالكلمة الأخيرة في تعريف حدود ما يجوز لها أن تكونه.

ثم جاءت لحظة 1 أكتوبر 2017، حين حاول الكتالونيون التصويت على مستقبلهم. قد تقول مدريد إن الاستفتاء كان مخالفاً للدستور، وهذا موقف قضائي إسباني موثق؛ لكن السؤال الذي لا تستطيع الحكومة الإسبانية دفنه هو : هل يمنح خرقٌ دستوري مزعوم الدولةَ رخصةً لسحل الناخبين، وضرب كبار السن، ومطاردة الناس داخل المدارس، ومصادرة الصناديق بالعنف؟ لقد قالت هيومن رايتس ووتش إنها وثقت حالات استخدام مفرط للقوة، فيما خلصت منظمة العفو الدولية إلى أن القوة المستخدمة ضد مقاومين سلمياً كانت مفرطة وغير متناسبة. كما نقلت تقارير صحفية دولية أرقاماً متضاربة عن المصابين، وهو تضارب يوجب تحقيقاً مستقلاً، لا حملة علاقات عامة لتبرئة السلطة.
في ذلك اليوم لم تدافع إسبانيا عن “دولة القانون” بقدر ما كشفت كيف تفهمها: القانون يُستخدم بقسوة عندما يطالب الكتالونيون بحقوقهم، ثم يتحول إلى نص مرن عندما يتعلق الأمر بمحاسبة رجال الأمن على تجاوزاتهم. فبطلان الاستفتاء في النظام الدستوري الإسباني لا يحوّل كل ضربة إلى عمل مشروع، ولا يجعل كل جريح كاذباً، ولا يمنح الشرطة حصانة من مبدأي الضرورة والتناسب.
ولم تتوقف المسألة عند العنف في الشوارع. فقد حوّلت السلطات الإسبانية خصومة سياسية إلى قضية جنائية طويلة، وأصدرت المحكمة العليا أحكاماً بالسجن وصلت إلى 13 عاماً بحق قادة كتالونيين، بعد إدانتهم بالتحريض على الفتنة وبعضهم باختلاس أموال عامة. لا يجوز إنكار أن هذه هي أحكام القضاء الإسباني، لكن لا يجوز أيضاً تقديمها كأنها خاتمة محايدة لا يحق لأحد مناقشتها. فقد خلص فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي إلى أن احتجاز كويشارت وسانشيز وخونكيراس كان تعسفياً، كما وجدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن إسبانيا انتهكت الحقوق السياسية لأربعة مسؤولين بسبب تعليق مناصبهم قبل الإدانة. هذه ليست دعاية انفصالية؛ إنها ملاحظات صادرة عن آليات أممية.

صحيح أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قبلت تعليق جلسة برلمانية كتالونية عام 2017، واعتبرته متوافقاً مع حماية النظام الدستوري. لكن هذا القرار المحدد لا يمحو تقارير القوة المفرطة، ولا يلغي الآراء الأممية، ولا يمنح إسبانيا شهادة براءة شاملة. الانتقائية في الاستشهاد بالمؤسسات الدولية ليست قانوناً؛ إنها أداة دعائية.
الأكثر استفزازاً أن مدريد لا تطلب من الكتالونيين الصمت فقط، بل تطلب من الاتحاد الأوروبي أن يصمت معها. وعندما وقعت أحداث 2017، سارعت المفوضية الأوروبية إلى وصف التصويت بأنه غير قانوني وفق الدستور الإسباني واعتباره شأناً داخلياً. بذلك بدا الاتحاد الأوروبي، في نظر ملايين الأوروبيين، مستعداً للدفاع عن السوق والحدود أكثر من استعداده للدفاع عن كرامة الناخب حين تصطدم إرادته بإرادة دولة عضو.
هنا تحديداً يجب على الاتحاد الأوروبي أن يتوقف عن الاختباء خلف عبارة “الشأن الداخلي”. فالمادة 2 من معاهدة الاتحاد الأوروبي تجعل الكرامة والحرية والديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات قيماً تأسيسية للاتحاد. وإذا كانت هذه القيم لا تُختبر عندما تضرب شرطة دولة أعضاءها، وتُسجن قيادات منتخبة، وتصدر آليات أممية ملاحظات ضدها، فمتى تُختبر؟ إن القيم التي لا تُطبَّق إلا على الدول الصغيرة أو الخصوم السياسيين ليست قيماً؛ إنها انتقائية مؤسسية.

أما المادة 7، فلا ينبغي استخدامها كشعار مضلل. فهي ليست زرّاً لطرد إسبانيا فوراً من الاتحاد، بل آلية سياسية وقانونية عالية العتبة تبدأ بوجود خطر واضح لخرق جسيم لقيم المادة 2، وقد تتطور إلى تحديد خرق جسيم ومستمر ثم تعليق بعض حقوق الدولة، ومنها حق التصويت في المجلس. لكن صعوبة التفعيل لا تعني استحالة المطالبة به. على البرلمان الأوروبي والمفوضية والدول الأعضاء أن يفتحوا تقييماً جدياً لسلوك إسبانيا، لا أن يمنحوها حصانة دائمة لأنها دولة مؤسسة وكبيرة.
ولا يمكن لمدريد أن تختبئ إلى الأبد وراء المادة 4 من المعاهدة، التي تحمي سلامة أراضي الدول وهياكلها الدستورية. حماية وحدة الدولة لا تعني حماية كل وسيلة تستخدمها الدولة، ولا تمنحها حق سحق الحقوق باسم الدستور. الدولة التي تتمسك بالوحدة عليها أن تثبت أنها قادرة على إدارة التعدد بالحقوق والحوار، لا بالهراوات والمحاكمات والسجن.

حتى قانون العفو لعام 2024، الذي أيدت المحكمة الدستورية عناصره الأساسية في 2025 مع إبطال أجزاء محددة، يكشف عمق الأزمة. فقد اضطرت إسبانيا، بعد سنوات من التصعيد، إلى التراجع السياسي والقانوني عن جزء من سياسة العقاب الجماعي التي انتهجتها. لكن العفو لا يعيد الجرحى إلى صحتهم، ولا يمحو صور العنف، ولا يحل سؤال السيادة، ولا يمنح كتالونيا حقاً تلقائياً في الاستقلال. إنه تسوية اضطرارية، لا انتصاراً للعدالة.
الخلاصة أن إسبانيا لا تُدان لأنها إسبانيا، ولا لأن كتالونيا تريد الاستقلال؛ بل تُدان عندما تستخدم وحدة الدولة ذريعة لإلغاء التعدد، وتستخدم الدستور سلاحاً ضد السياسة، وتطلب من أوروبا أن ترى نصف الصورة فقط. ليس مطلوباً من الاتحاد الأوروبي أن يمنح كتالونيا الاستقلال بقرار إداري، لكن مطلوب منه أن يراقب إسبانيا كما يراقب أي دولة أخرى، وأن يحقق في العنف، وأن يراجع استقلال القضاء وتناسب العقوبات، وأن يضع المادة 7 على الطاولة بدل دفنها في الأدراج.

لقد حان الوقت كي تفهم مدريد أن كتالونيا ليست غنيمة تاريخية ولا مقاطعة صامتة، وأن الشعب لا يفقد كرامته لأن محكمة أبطلت ورقة اقتراع، وأن الدولة لا تصبح ديمقراطية بمجرد تكرار عبارة “دولة القانون”. وحان الوقت كي يفهم الاتحاد الأوروبي أن الصمت أمام القمع ليس حياداً، بل انحياز إلى الأقوى. فإما أن تكون قيم أوروبا قواعد مشتركة تُطبّق على إسبانيا كما تُطبّق على غيرها، وإما أن تعترف المؤسسات الأوروبية بأن حديثها عن الديمقراطية ليس أكثر من لافتة ترفعها عندما يناسبها ذلك.