حين تتحول الشبهة إلى “حقيقة” في الصحافة الإسبانية

السيدين فؤاد علي الهمة و عبد اللطيف الحموشي
السيدين فؤاد علي الهمة و عبد اللطيف الحموشي

المصطفى الجوي – موطني نيوز

مرة أخرى، تكشف بعض المنابر الصحفية الإسبانية العنصرية عن استعدادها لاستبدال التحقيق المهني بالإيحاء، واستبدال الدليل بالاستنتاج، وتحويل شهادة فردية غير ممحصة لخائن فار من وطنه إلى اتهام سياسي وأمني خطير موجّه ضد المغرب ومؤسساته وشخصياته العليا.

فالمقال المنشور في صحيفة Vozpópuli لا يقدم وثيقة رسمية، ولا حكمًا قضائيًا، ولا تسجيلًا موثقًا، ولا تقريرًا صادرًا عن لجنة تحقيق مستقلة يثبت أن السيدين فؤاد علي الهمة وعبد اللطيف الحموشي خططا أو أمرا بما تسميه الصحيفة “غزو سبتة”. كل ما يقدمه المقال هو رواية منسوبة إلى شخص واحد، قُدّم باعتباره مسؤولًا أمنيًا سابقًا يعيش خارج المغرب، ثم بُنيت عليها استنتاجات ضخمة تمس سيادة دولة وسمعة مسؤولين بارزين.

وهنا يبرز السؤال المهني البسيط الذي يبدو أن كاتب المقال لم يطرحه على نفسه : أين الدليل؟

أين الوثيقة التي تثبت صدور الأمر؟ أين المراسلات الرسمية؟ أين التسجيلات؟ أين الشهادات المتقاطعة؟ أين نتائج التحقيقات القضائية المستقلة؟ وأين ردّ الشخصين المعنيين أو تمكينهما من حق الرد؟ إن توجيه اتهام مباشر إلى مسؤولين مغربيين بارزين لا يمكن أن يستند إلى سؤال من قبيل : “كيف لم يكونا على علم؟”. فالعلم المفترض ليس دليلًا على التخطيط، والمسؤولية السياسية أو الأمنية لا تعني تلقائيًا إصدار الأوامر أو المشاركة في التنفيذ.

إن تحويل أزمة هجرة مأساوية ومعقدة إلى رواية جاهزة عن “غزو دبره مسؤولان” ليس تحقيقًا استقصائيًا، بل بناء سردية سياسية على أساس هش. فالصحافة الجادة لا تخلط بين القرائن والوقائع، ولا بين الشبهة والإدانة، ولا بين الانتماء الوظيفي والمسؤولية الجنائية. كما أنها لا تستخدم أوصافًا مشحونة مثل “الغزو” بدل المصطلحات القانونية الدقيقة، إلا إذا كانت مستعدة لتقديم أدلة تبرر هذا التوصيف الخطير.

ومن حق القارئ أن يتساءل أيضًا عن توقيت نشر هذه الادعاءات، وعن السياق السياسي الذي تُستعمل فيه أسماء مسؤولين مغاربة لتغذية صورة نمطية عن المغرب باعتباره دولة تتحرك أجهزتها خلف كل أزمة إقليمية. فهل نحن أمام بحث عن الحقيقة، أم أمام محاولة لإعادة تدوير اتهامات قديمة وتوظيفها في صراعات سياسية وإعلامية قائمة؟

أما قضية برنامج بيغاسوس، فهي ملف مستقل يحتاج إلى أدلة تقنية وقضائية محددة، لا إلى دمجه تعسفًا في قضية سبتة لإنتاج انطباع شامل بالإدانة. وحتى عندما تكون هناك تحقيقات أو تقارير دولية بشأن استخدام برامج التجسس، فإن نسبتها إلى أشخاص بعينهم تتطلب إثباتًا مباشرًا ومسارًا قانونيًا واضحًا، لا مجرد تصريحات مجهولة المصدر أو شهادات لم تُختبر أمام القضاء.

إن المغرب، مثل أي دولة، ليس فوق المساءلة، وأي ادعاء جدي يجب أن يخضع للتحقيق. لكن المساءلة لا تعني منح الصحافة الرخيصة رخصة لتوزيع الاتهامات بلا دليل، كما أن انتقاد المؤسسات لا يبرر انتهاك أبسط قواعد العدالة الصحفية : التحقق، والتوازن، وحق الرد، وافتراض البراءة.

لقد آن الأوان لبعض الصحافة الإسبانية أن تدرك أن العلاقات المغربية الإسبانية لا تُدار بالعناوين الانفعالية الرنانة ولا بالتسريبات غير الموثقة. وإذا كانت لديها أدلة حقيقية، فلتنشرها كاملة، ولتضعها أمام القضاء والجهات المختصة. أما إذا لم تكن تملك سوى رواية شخص واحد ويتعلق الأمر بالمدعو مهدي حيجاوي، وأسئلة استنتاجية، وأوصافًا سياسية مثيرة، فعليها أن تكون صريحة مع قرائها وأن تسمي الأشياء بأسمائها : هذا ليس إثباتًا؛ هذه ادعاءات تحتاج إلى دليل.

إن كرامة الصحافة لا تُقاس بحدة الاتهام، بل بصلابة البرهان. ومن غير المقبول أن تتحول سمعة أشخاص أو سيادة دولة إلى مادة سهلة في حرب سرديات، تُستخدم فيها الصحيفة منصةً لإطلاق الأحكام قبل اكتمال التحقيق، وقبل الاستماع إلى الطرف الذي وُجّهت إليه الاتهامات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!