القرية و الجبل المجال الخصب للحملات الانتخابية التشريعية و علاقتها بالبناء الديمقراطي

محمد الغوفير
محمد الغوفير

محمد الغوفير – موطني نيوز 

من نراه اليوم على الساحة الانتخابية، واستعداد الأحزاب لخوض الاستحقاقات الانتخابية التشريعية هو مجرد صورة قاتمة، تؤكد للعالم على أننا ما زلنا لم نرقى الى المستوى الأدنى من التنافسية و التدافع نحو الديمقراطية، فالعديد من الأحزاب ما زالت تعتمد في حملاتها الانتخابية على التنابز بالألقاب وتبادل الاتهامات، عوض فتح نقاش عمومي حول القضايا الحقيقية التي تهم المجتمع من التعليم والصحة والشغل والحريات و الحقوق والكرامة… إلخ.

الخطاب السياسي لبعض الأحزاب خلال ملتقياتها و تجمعاتها، هو خطاب يسوق للتفاهة ويؤسس لها، وهذا الأمر ليس مجرد صدفة بل هو جزء من أدوات الأحزاب الرئيسة في الحصول على أكبر عدد من الأصوات الإنتخابية، و خاصة في المجال القروي و الجبلي والمناطق الفقيرة والمهمشة.

فليس من محض الصدف أن تتجه اغلبية الأحزاب الى المناطق القروية و الجبلية، ولكن لأنها تعلم جيدا بأن هذا المجال الترابي ما زال يؤمن بمنطق الولاء و الإخلاص لمن يمتلك الأرض، صاحب الضيعات الفلاحية الكبيرة، ففي المخيال الشعبي للإنسان القروي و الجبلي الأرض رمز القوة والنفوذ والسلطة، وهذا الإعتقاد راسخ ومتجدر في النظام الإقطاعي منذ الأزل (علاقه السيد بالعبد)، و بالتالي من يتحكم في اللعبة السياسية برمتها هو الإقطاعي صاحب الضيعات الفلاحية الكبيرة، هذه الشخصية (شخصية السيد أو الشيخ) هي التي تمتلك أكبر قطيع انتخابي، توجهه وتميل به أينما اتجهت ومالت، من حزب الى آخر، وتقيم له المأذوبات و “الزرود” والولائم، وتخاطبه بخطاب يكرس للقبلية والتعصب و الإنتماء للمجال الترابي.

طريقة و أسلوب و منهجية الحملات الانتخابية لأغلب الأحزاب، تؤكد على أن المجال القروي والجبلي (عكس المدينة) ما يزال بعيدا على المسار الديمقراطي، فنحن أمام كثافة سكانية كبيرة ما زالت تَسْحَبٌنا نحو النظام الأوليغارشي، الذي يستند على حكم الأقلية الغنية، و يقف حجرة عثراء أمام الإنتقال الديمقراطي، وبهذا الواقع المجتمعي البدوي لا يمكن أن يسير البناء الديمقراطي نحو النجاح.

إن التركيز في الحملات الانتخابية، و تسابق الأحزاب و تدافعها نحو المجال القروي و الجبلي، و الإعتماد في ذلك على أعيان وشيوخ و أغنياء هذه المناطق، يظهر في أبعاده السياسية و الاجتماعية و الثقافية، الرغبة الجامحة للأحزاب في حماية هذا المجال الترابي، و إبقائه على طبيعته الإقطاعية التقليدية (علاقه السيد والعبد ).

و هذا ما يفسر بتجلي إنتشار الفقر و الأمية و الجهل، و جميع مظاهر التهميش و الإقصاء، رغم الجهود و البرامج و الميزانيات الكبيرة التي خصصت لتنمية المجال القروي و الجبلي منذ الإستقلال إلى يومنا هذا.

إن نجاح البناء الديمقراطي بالمغرب أصبح مقرونا بمحاربة مظاهر التهميش و الإقصاء بالمجال القروي و الجبلي أكثر منه بالمجال الحضري، و هذا الأمر يتطلب تدخلا ملكيا مباشرا لوضع برنامج تنموي لتأهيل العنصر البشري أولا، و خاصة في مجال التعليم كمدخل أساسي لفك الإرتباط الذي يعطي القوة لمن يملك الأرض و المال، إلى من يملك الفكر والعلم.

فجميع الحكومات المغربية التي رفعت شعار التنمية القروية بقيت حبيسة الوعود وسياسة التسويف، لأن التنمية الحقيقية يعني كسر قيود التبعية، و إعطاء مجال أوسع لحرية التعبير والتفكير للمواطن بالبادية، رغم أن تسلح المواطن بالفكر و المعرفة لا يخدم مصالح أغلبية الأحزاب، فوعي و تعليم المواطن القروي يعني فشل الأحزاب و دوبانها و تأخرها على تربع المشهد الحزبي، خاصة تلك التي تعتمد في حملاتها الإنتخابية على أسياد القبائل و شيوخها و أعيانها، و على بؤر الفقر و التهميش و الأمية و الجهل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!