
بقلم د.عافية صابر – موطني نيوز
تحية تقدير إلى بنسليمان، هذه المدينة التي تعلّم أهلها الصبر، لا لأنهم اختاروه، ولكن لأنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع تنموي يفرض عليهم الانتظار مرّةً بعد أخرى.
وأنا أكتب عن بنسليمان، لا أكتب عن مدينة غريبة عني، بل عن مدينة عشتُ فيها جزءاً من معاناتي، وعرفت فيها معنى أن يصطدم الإنسان بطموحه ومشاريعه وحقوقه بأسوار من الانتظار والتعقيدات والوعود المؤجلة.
ولذلك فإن حديثي اليوم ليس تصفية حسابٍ مع أحد، ولا بحثاً عن خصومة سياسية، وإنما هو سؤال مواطنةٍ وصحافةٍ: إلى متى ستظل بنسليمان تنتظر أن ترى مشاريعها مكتملةً وفعّالةً، بدل أن تبقى مجرد أوراشٍ معلّقةٍ، أو بناياتٍ تنتظر من يعيد إليها الحياة؟
المثير في الأمر أن الحديث عن المشاريع المتعثّرة في بنسليمان ليس وليد اليوم؛ فقد تناولت تقارير صحفية خلال السنوات الأخيرة عدداً من المشاريع التي ظلّت معلّقة، من بينها السوق المركزي، والسوق النموذجي، ومحطة سيارات الأجرة، والمسبح، ومقر الجماعة، وغيرها.
بل إن وثائق منشورة على موقع الجماعة تكشف أن بعض المشاريع دخلت ضمن البرمجة والاعتمادات، ومنها إتمام بناء مقر الجماعة، وتهيئة المرأب والمحجز الجماعي، وتأهيل قنوات التطهير، وتهيئة مقبرة التوبة، وغيرها.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً لكنه عميق:
إذا كانت الاعتمادات تُرصد، والمشاريع تُبرمج، والدراسات تُنجز، فأين هي النتيجة النهائية على أرض الواقع؟
بنسليمان لا تحتاج إلى مزيد من المشاريع التي تظل حبيسة الأوراق، وإنما تحتاج إلى مشاريع تنجز في آجالها، وتفتح أبوابها أمام المواطنين، وتتحول إلى مرافق حقيقية تخدم السكان.
والسوق النموذجي، على سبيل المثال، يُفترض أن يكون فضاءً منظّماً يحفظ كرامة التجار، ويضع حداً للفوضى والاحتلال العشوائي للملك العمومي. ووثيقة برنامج عمل الجماعة تشير أصلاً إلى أهداف مرتبطة بتأهيل البنية الاقتصادية والاجتماعية وتنظيم النشاط التجاري.
لكن المواطن لا يعيش على الأهداف المكتوبة في الوثائق؛ المواطن يريد أن يرى المشروع قائماً ويشتغل.
والأمر نفسه ينطبق على المرافق الرياضية والاجتماعية، وعلى الأسواق ومحطات سيارات الأجرة والبنايات الإدارية والمساحات الخضراء.
لقد نشرت وسائل إعلام مغربية تقارير تحدثت عن مشاريع معلّقة لسنوات، وعن كلفة مالية وأوراش لم تصل إلى النتيجة التي كان ينتظرها السكان. كما أن تقارير أحدث، في سنة 2026، أعادت طرح ملف المشاريع المعلّقة باعتباره أحد أبرز الأسئلة المطروحة حول التنمية المحلية في المدينة.
لكنني أريد أن أذهب أبعد من مجرد تعداد المشاريع.
أريد أن أتحدث عن ثقافة الانتظار.
حين يتعود المواطن على رؤية بناية مغلقة، أو مشروع متوقف، أو ورش لا يعرف متى سينتهي، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بالإسمنت والحديد فقط؛ بل تصبح مرتبطة بثقة المواطن في المؤسسات.
وهنا تكمن الخطورة.
فالتنمية ليست أرقاماً في الميزانيات، ولا صوراً في مناسبات التدشين، ولا لوحات تحمل أسماء الشركاء. التنمية الحقيقية هي أن يدخل المواطن إلى مرفق عمومي فيجده مفتوحاً، منظّماً، نظيفاً، ويقدّم الخدمة التي أنشئ من أجلها.
والجماعة نفسها تذكر ضمن اختصاصاتها إحداث وتدبير عدد من المرافق والتجهيزات العمومية، كما أن برنامج عمل الجماعة يفترض أن يحدد الأعمال التنموية التي سيتم إنجازها أو المساهمة فيها وتتبعها وتقييمها خلال مدة الانتداب.
إذن، من حق المواطن أن يسأل:
ما الذي أنجز؟ وما الذي لم ينجز؟ ولماذا؟ ومن المسؤول عن التأخير؟ وكم كلفت المشاريع؟ وهل تغيرت كلفتها؟ وما هي الآجال الجديدة؟
هذه ليست أسئلة عدائية.
هذه هي الأسئلة الطبيعية في مدينة يريد سكانها أن يعرفوا أين تذهب أموالهم، وماذا تحقق من البرامج التي وُعدوا بها.
أما أنا، فقد عرفت بنسليمان أيضاً من زاوية شخصية ومؤلمة. عرفت كيف يمكن للإنسان أن يبذل من وقته وجهده وماله، ثم يجد نفسه أمام عراقيل واستنزاف نفسي ومادي يجعله يسأل: لماذا لا تسير الأمور كما ينبغي؟
ولهذا، حين أقول اليوم : تحية تقدير لبنسليمان على الصبر، فأنا لا أقصد مدح الصمت.
الصبر فضيلة، لكن الصمت عن الاختلالات ليس قدراً.
ومن حق بنسليمان أن تطالب بالمحاسبة، ليس بمعنى الانتقام من الأشخاص، وإنما بمعنى ربط المسؤولية بالنتائج.
ومن حق المواطن أن يعرف لماذا بقي مشروع سنوات دون أن يكتمل، ولماذا تحولت بعض المنشآت إلى بنايات مغلقة أو أوراش جامدة، ولماذا تتكرر الوعود بينما تتأخر النتائج.
بنسليمان ليست مدينة بلا إمكانيات.
موقعها الاستراتيجي، ومؤهلاتها الطبيعية، وقربها من محور الدار البيضاء والرباط، كلها عناصر تجعلها قادرة على أن تكون مدينة أكثر جاذبيةً واستثماراً وتنظيماً.
والمطلوب ليس المستحيل.
المطلوب فقط هو الحكامة، والشفافية، والجدولة الزمنية، والتتبع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما المشاريع التي تبدأ ولا تنتهي، والمنشآت التي تُبنى ولا تستغل، والاعتمادات التي تُبرمج ولا تتحول إلى نتائج، فهي في النهاية ليست مجرد مشكلة تقنية؛ إنها تكلفة يدفعها المواطن من جودة حياته ومن ثقته في مؤسساته.
ومن هنا أقول لبنسليمان:
اصبري، نعم…ولكن لا تتنازلي عن حقك في السؤال.
واسألي عن كل مشروع متوقف.
واسألي عن كل بناية مغلقة.
واسألي عن كل درهم رُصد.
واسألي عن كل أجل لم يُحترم.
واسألي قبل كل شيء:
متى ستتحول المشاريع من وعود مكتوبة إلى واقع يراه المواطن ويستفيد منه؟
هذه ليست معركة عافية صابر وحدها.
إنها قضية مدينة بأكملها.
وإذا كانت بنسليمان قد تعلمت الصبر، فقد حان الوقت أيضاً أن تتعلم المؤسسات أن المواطن لا يريد أن يصبر إلى ما لا نهاية.