عندما تنحني مدريد أمام صرامة الرباط…

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

مائدة مفاوضات؛ على أحد طرفيها تجلس إسبانيا، قوة أوروبية ضخمة تمتلك اقتصاداً يقارب 1.9 تريليون دولار، وعلى الطرف الآخر يجلس المغرب، اقتصاده يبلغ حوالي 160 مليار دولار فقط، أي أن الناتج المحلي الإسباني يفوق نظيره المغربي بـ 12 ضعفاً تقريباً. ورغم هذا التفاوت الاقتصادي الهائل، فإن مدريد هي من تنحني غالباً في ملفات التفاوض المصيرية. المفارقة تكمن في أن هذه الهيمنة الاقتصادية الوهمية على الورق تتلاشى عندما نكشف الأوراق، لنكتشف أن إسبانيا تحتاج إلى المغرب لتأكل، ولتصطاد، ولتؤمن حدودها، بينما المغرب لا يحتاج لأي من ذلك بنفس القدر. هذا المقال يستقصي كيف تحولت هذه المعادلة عبر السنوات، وكيف انتقل المغرب من منافس إقليمي إلى صانع قرار يملك خيارات البديل، في حين بقيت إسبانيا رهينة لاحتياجاتها الهيكلية.

لفهم عمق هذا التحول، يكفي أن ننظر إلى سلة الغذاء الأوروبية، وتحديداً إلى الطماطم، التي كانت لعقود طويلة حكراً على الصوبات الزراعية في الأندلس الإسبانية. ولكن هذه الحقبة قد ولت بشكل نهائي. فقد ضاعف المغرب صادراته من الطماطم إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 41.39% خلال عقد من الزمان، حيث ارتفعت من 406.36 مليون كيلوغرام في موسم 2015/2016 إلى 574.54 مليون كيلوغرام في موسم 2024/2025. في المقابل، تقلصت الصادرات الإسبانية بنسبة 33.42% خلال نفس الفترة. وكان الاختراق المغربي حاسماً في موسم 2022/2023، عندما تجاوز المغرب إجمالي الصادرات الإسبانية من الطماطم لأول مرة، حيث شحن المغرب 544.08 مليون كيلوغرام مقارنة بـ 525.62 مليون كيلوغرام لإسبانيا، وهو التفوق الذي رسخه المغرب بمبيعات بلغت 574.54 مليون كيلوغرام مقابل تراجع إسبانيا إلى 519.83 مليون كيلوغرام في الموسم اللاحق. في فرنسا، السوق التاريخية للزراعة الإسبانية، تصل نسبة الطماطم الطازجة المستوردة من المغرب اليوم إلى 76%.

وإذا تساءلنا عن سر هذا التفوق المغربي في خضم أزمة مناخية تضرب المنطقة، فسنجد أن الجواب يكمن في “الماء”. فعلى مدار السنوات الست الماضية، تعاني منطقة الأندلس جنوب إسبانيا من جفاف ممتد، حيث سجلت السنة الهيدرولوجية 2022-2023 واحدة من أشد فترات الجفاف، مما أدى إلى تعرض 9 ملايين شخص (نحو خُمس السكان) لنقص حاد في المياه في نوفمبر 2023، وكلف هذا الجفاف الاقتصاد الأندلسي نحو 2.5% من ناتجه المحلي الإجمالي. في الوقت ذاته، استثمر المغرب بشكل هائل في شبكات الري الحديثة وتقنيات تحلية المياه، مما جعله يتحكم في مصدر الإنتاج. ونتيجة لهذا الواقع الاقتصادي الجديد، لم يعد رجال الأعمال الإسبان يواجهون المنافسة المغربية من الداخل فحسب، بل انقلبوا إلى حلفاء، حيث سجل معهد التجارة الخارجية الإسباني وجود 37 شركة إسبانية في قطاع الزراعة مسجلة رسمياً في المغرب، مع تقديرات تشير إلى أن أكثر من 360 شركة إسبانية نقلت عملياتها الإنتاجية إلى السوق المغربية للاستفادة من الأيدي العاملة الأرخص بـ 10 مرات، والأراضي الخصبة، خصوصاً في مناطق سهل الغرب ووادي سوس.

ولا يقتصر هذا الانقلاب في موازين القوى على الأراضي الزراعية، بل يمتد ليغزو البحار، وتحديداً ملف الصيد البحري الذي كان لعقود نقطة استنزاف للمياه المغربية. فمنذ عام 1988، كانت عشرات القوارب الإسبانية تصطاد في المياه المغربية، حيث كانت إسبانيا تستحوذ على 92 رخصة من أصل 138 رخصة صيد ممنوحة للاتحاد الأوروبي (أي ما يعادل 67% من إجمالي الأسطول الأوروبي في المنطقة). وفي ذروة هذا التعاون المشروط، كان المغرب يحصل على مساهمة اقتصادية سنوية تبلغ 50 مليون يورو، بالإضافة إلى 12 مليون يورو كرسوم يدفعها ملاك السفن. ولكن في 17 يوليو 2023، انتهت صلاحية بروتوكول اتفاقية الصيد المشتركة، ورفض المغرب التجديد الآلي بشروط مجحفة، مفضلاً الشراكة المتوازنة على الرضا بالدور التاريخي. في عام 2024، وفي ضربة قضائية كبرى، ألغت محكمة العدل الأوروبية الاتفاقية التجارية والزراعية بين الطرفين، مبررة ذلك بانتهاك حق أهل الصحراء المغربية في الموافقة على استغلال مواردهم، علماً بأن أكثر من 90% من المصيد الأوروبي كان يأتي من تلك المياه.

في أعقاب هذا الانهيار الدبلوماسي والقانوني، ساد الصمت من الجانب المغربي، والذي لم يكن علامة ضعف، بل دليلاً على وجود بدائل استراتيجية؛ فالمغرب يمتلك خيارات شراكة مع دول كبرى مثل روسيا واليابان، مما يسمح له بالانتظار بصبر. أما إسبانيا، فأساطيلها في الأندلس وجزر الكناري تقف اليوم خاملة على الأرصفة، محرومة من مياه الصيد التي كانت تعتمد عليها بشكل حيوي، في سؤال بسيط يفرض نفسه : عندما تُكسر الاتفاقية، من الخاسر الأكبر؟

وهذا التبعية الهيكلية لا تتوقف عند الحدود البحرية، بل تمتد لتطوق أسوار إسبانيا في شمال أفريقيا، وتحديداً في مدينتي سبتة ومليلية. إذ تعتمد مدريد بشكل كلي على الرباط لتأمين حدودها الأوروبية ضد موجات الهجرة غير الشرعية العابرة من أفريقيا. هذا التعاون الأمني الذي يصفه وزير الداخلية الإسباني بأنه “مثالي”، يُمثل ورقة ضغط هائلة بيد المغرب. ففي مايو 2021، ولأول مرة في التاريخ الحديث، سمح المغرب بعبور ما يقرب من 10,000 شخص الحدود نحو سبتة في أوقات قياسية، مما خلق أزمة إنسانية غير مسبوقة، رد فعل واضح على استضافة إسبانيا لقائد جبهة البوليساريو للعلاج الطبي. وقد تكررت السيناريوهات الصادمة حديثاً في يوليو 2026، عندما اقتحم حوالي 80,000 شخص الحدود، مما أدى إلى تسجيل 57 حالة وفاة وإجبار إسبانيا على إعادة نحو 48,300 شخصاً إلى التراب المغربي.

إن هذا الحراك في إدارة ملفات الحدود والهجرة يتناغم مع تحولات إسبانيا السياسية الكبرى في المنطقة. ففي مارس 2022، وفي خطوة تاريخية تناقض عقوداً من الحياد الأوروبي، أرسل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رسالة للملك محمد السادس يعلن فيها أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية هي “الأساس الأكثر جدية وواقعية وموثوقية” لحل النزاع. ورغم أن مدريد لم تحصل على مكاسب اقتصادية فورية مقابل هذا التخلي عن مبادئها، فإنها عادت لاحقاً في 2024 لتتقبل نهاية اتفاقية الصيد البحري بصمت وبدون أي محاولة للابتزاز أو الانتقام الاقتصادي.

خلاصة هذا المشهد الاستخباراتي تؤكد أن إسبانيا، ورغم قوتها الاقتصادية الظاهرة، تعاني من هشاشة مزدوجة؛ فهي تحتاج للمنتوج الزراعي المغربي، ولأسماك مياهه، ولتعاون جيشه في إحكام غلق الأبواب أمام المهاجرين الأفارقة. وفي الوقت الذي تملك فيه الرباط بدائل لكل هذه الملفات على حدة، تفتقر مدريد لأي بديل خارجي يمكنه تعويض هذه الثغرات الهيكلية. في علاقات القوة الدولية، المعادلة لا تحسب فقط بالقيم الاقتصادية أو حجم الناتج المحلي، بل تقاس بقدرة الدولة على تحمل الخسارة. وفي هذه المعادلة الصعبة، تُكشف حقيقة أن الطرف الذي يملك البدائل هو الذي يملك زمام المبادرة، وهو ما يفسر الانحناءات المتكررة لمدريد أمام صرامة الرباط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!