
عبد الله رحيوي – موطني نيوز
في صباح يوم أمس الأربعاء، 8 يوليوز 2026، وبعدما كان الجمود والسكون وتكرار نفس المشهد سيد الموقف في ردهات محاكم المملكة وقاعات الجلسات، اختارت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بالعيون كسر هذا الجمود الذي استمرّ طويلاً جراء الإضراب الشامل الذي يخوضه المحامون على الصعيد الوطني. وذلك بعدما قرر رئيس الهيئة تجهيز قضايا المعتقلين الاحتياطيين، بعدما تغير نوع وفحوى الخطاب الموجه إلى المتهمين : من مجرد إخبارهم بتأجيل القضية وتاريخ الجلسة المقبلة، وتدوين سبب التأخير المتمثل في غياب المحامين نتيجة الإضراب، إلى عرض مناقشة القضية وتجهيزها على المتهمين فرداً فرداً، والسؤال عن تمسكهم بتنصيب الدفاع من عدمه، وإخبارهم بجاهزية القضية للمناقشة والتداول بشأنها في حالة تنازلهم عن حضور الدفاع.
فعبّر لبعض المتهمين عن رغبتهم في المحاكمة بدون حضور الدفاع، واستعدادهم للدفاع عن أنفسهم، ليتم تسطير منحى جديد ومنعطف تاريخي لم يشهد له القضاء المغربي مثيلاً، بالنظر إلى ظروف الزمان والمكان والسياق. إذ استمرّت رئاسة الهيئة في مناقشة القضايا وحجزها للمداولة، مؤسسةً ما تبنته على مقتضيات الدستور المغربي، ولا سيما دور القاضي في تولي حماية حقوق وحريات الأشخاص، وتحقيق الأمن القضائي، واستمرارية المرفق العمومي.
فكان بذلك هذا القرار، الذي اتخذ بشكل مفاجئ للمتهمين وجميع الفاعلين في حق القانون والقضاء، بمثابة إعلان عن بوادر حلّ لأزمة توقف مرفق العدالة، بشكل أوحى إلى الجميع بهشاشة هذا المرفق، وسهولة إفراغه من دوره الأساسي الذي هو إحقاق الحق، والنطق بالأحكام والقرارات، وتحقيق مبادئ العلنية والاستمرار والردع.
فهل يمكن الحديث عن عدالة مكبّلة بتغليب الشكل على حساب المضمون، والإجراء على حساب الموضوع، وإلزامية تنصيب محامٍ على استمرارية المرفق بأكمله، وهو ما لا يستقيم والمنطق السليم؟ إذ تم اختزال حقوق الدفاع في الحق في مؤازرة المحامي، في حين أنها أكبر وأشمل وأعقد وأعمق من ذلك. أليس حق المجتمع – وهو الحق العام – أسبق وأولى في الاعتبار من حق المتهم في تنصيب المحامي أو إلزامية ذلك؟ أليس المجتمع، عن طريق النيابة العامة، هو من يتابع المتهمين ويطالب بحقه في سماع الأحكام؟ لماذا نختزل المحاكمة العادلة في إعطاء كل الضمانات وكل الحقوق للمتهم؟ أين حق المجتمع أولاً وأخيراً؟ أين هي حقوق الضحايا؟ أين هي حقوق الشهود والمبلغين؟
وبين كل هذا وذاك، وهذه الأسباب وغيرها، أليس من واجب القضاء إيجاد توازن غير مُقِلٍّ ولا مُخِلٍّ بكل تلك الحقوق والواجبات مجتمعة؟ هل تعطّل العدالة لغياب المحامي أو القاضي أو حتى المتقاضي؟ لماذا إذن شُرعت الأحكام الغيابية؟ لماذا يجازى المتهم على غيابه في وصف الأحكام ومقتضياتها، ولا يستعاض عن غياب المحامي؟ هل العارض أو الطارئ يلغي الأصيل أو يعطّله؟
فالأصل في حقوق الدفاع هو الدفاع الشخصي أولاً وأخيراً، وما بدعة إلزامية تعيين المحامي، ولو في إطار المساعدة القضائية، إلا مجرد ضمانة مادية لاستمرارية مهنة المحاماة، وليس لاستمرارية العدالة. فكيف نُلزم بالإطلاق حتى من أنِسَ في نفسه الدفاع الشخصي لعلمه أو عمله؟ أليس من الإجحاف والإسراف عرقلة الولوج إلى العدالة تحت مسمى حقوق الدفاع؟ وهل أصبح تعيين المحامي نظيراً للتأمين الإجباري على المرض، مع اختلاف المعنى والمبنى؟
أليس القاضي هو الحامي الطبيعي للحقوق والحريات، وبموجب الدستور والتاريخ؟ لماذا يتم تخوين القضاء وتبخيس دوره، وتغطية شمسه، في مقابل سطوع نجوم أخرى في ميدان العدالة، وُجدت أساساً للمساعدة وليس للمباعدة بين القاضي والمتقاضي؟ كيف انتقلت المهن التي نشأت في كنف القضاء وحرمه، من مرحلة المتابعة إلى مرحلة المساوقة والمقارنة، ثم إلى مرحلة المسابقة التي نعيشها في الوقت الحاضر؟ لماذا لا نسمّي الأمور بمسمياتها؟
في الختام، لا يمكن إلا التنويه بما نحته هذه الغرفة الفريدة الفذّة من سبيل الاجتهاد، فإن أخطأت الصواب فالقصد نبيل، ولها أجره وثناؤه. لكن تبقى ثمرة هذا الاجتهاد هي فتح باب النقاش على مصراعيه حول مدى دستورية ومنطقية إلزامية تعيين المحامي، سواء في القضايا الجنائية أو القضايا المدنية أو الإدارية أو التجارية، لا سيما وأن الحقوق تضيع لعدم قبول رفع الدعاوى دون توكيل المحامي، وما ينتج عنه من ضياع فادح للحقوق الموضوعية. فمتى كان الشكل أهم من الجوهر؟ والواجب الإجرائي أهم من الحق الموضوعي؟
أسئلة كثيرة وغيرها تحتاج إلى جواب آنيّ وصريح، بعيد عن السياسة والنفاق، أو أي قانون أو اتفاق.