
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
في مشهد يهزّ الضمير الإنساني، لم تكن وفاة المغربي عبد الرحيم فكير، البالغ 43 عاماً، مجرد حادث عرضي أثناء تدخل أمني، بل جريمة متكاملة الأركان ارتكبتها شرطة بولونيا بحق رجل أعزل، لم يجد من يمدّ له يد العون وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت أقفاص العنصرية الأمنية.
فقد أظهر مقطع فيديو صوّره أحد الجيران، عن عمدٍ وإصرارٍ، كيف تعمّد رجال الشرطة إخضاع عبد الرحيم فكير لأبشع أنواع التعذيب الجسدي، مستخدمين رذاذ الفلفل كسلاح كيميائي، ثمّ ألقوه أرضاً كجثةٍ حية، وربطوا يديه وقدميه بروابط بلاستيكية ضيقة، في مشهد يُذكّر بأساليب الاستجواب في عصور الظلام.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الضحية، الذي كان يعاني أساساً من أوجاع صحية، أطلق صرخات مدوية يستغيث فيها طلباً للنجدة، بينما كان رجال الشرطة يقفون مكتوفي الأيدي، لا تحرك فيهم دمعة، ولا رحمة في قلوبهم، حتى إن المسعفين المرافقين لهم لم يحركوا ساكناً، وكأنهم تلقّوا أوامر صامتة بعدم التدخل، تاركين الرجل يلفظ أنفاسه في صمت مرعب، قبل أن يُعلن عن إصابته بنوبة قلبية أنهكت جسده المنهك.
إن ما حدث في حي “بيلاسترو” ليس مجرد إهمال، بل هو إعدام بطيء ومتعمّد، نفّذته آلة أمنية لا ترى في المهاجر إلا جسماً قابلًا للقمع والإذلال. إن سكوت المسعفين وتخاذل الشرطة عن تقديم الإسعافات الأولية، رغم الاستغاثات المتكررة، دليل قاطع على نيّة مبيتة للتنكيل، وازدراء متعمّد لحياة إنسان لم يرتكب سوى أنه كان في حالة انفعال عابر، لم يُثبت أحد أنه شكّل خطراً يستوجب هذه الوحشية.
هذه الحادثة تكشف عن وجه آخر للعنصرية المؤسساتية، حيث يُصبح لون البشرة والجنس الأجنبي مبرراً للقتل، وتتحوّل قوات النظام إلى جلادين، بينما تُغلق القوانين عيونها عن جرائمهم. إنّ رفض الشرطة تقديم المساعدة، وترك فكير يموت تحت أنظارهم، هو جريمة في حد ذاتها، تضاف إلى قائمة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان بحق المغاربة والعرب في إيطاليا.
أما تصريحات الشرطة حول استدعاء الإسعاف، فهي مجرد ستار من الدخان للتغطية على تقاعسهم، وكأنهم يريدون إيهام الرأي العام بأنهم أدّوا واجبهم، بينما الحقيقة المؤلمة أن عبد الرحيم فكير كان يُصرخ، وكانوا يسمعونه، لكنهم اختاروا ألا يسمعوا.
إننا نطالب اليوم، وبصوت عالٍ، بفتح تحقيق دولي في هذه الجريمة البشعة، ومحاكمة كل من تورط في تعذيب وقتل عبد الرحيم فكير، فالصور لا تكذب، والاستغاثات لا تُنسى، والعدالة الإلهية قبل البشرية ستأخذ مجراها، ولكننا نريدها هنا والآن، في محاكم إيطاليا وفي ضمائر العالم الحر.
عبد الرحيم فكير لم يمت بنوبة قلبية، بل مات بسبب قلبٍ أسودٍ صنعته عنصرية الأمن، ويدٍ غاشمة رفضت أن تُغيثه وهو ينزف حياةً وكرامةً في شوارع بولونيا.