
بقلم ذ رشيد أيت بلعربي – موطني نيوز
أثار التعديل الذي أدخله مجلس المستشارين على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة بإخضاع حساب ودائع و أداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، نقاشات واسعة حول مدى مطابقته للدستور و حول مدى انسجامه مع طبيعة مهنة المحاماة و الهيئات التي تدير شؤونها.
و تجدر الإشارة في البداية أن رفض أغلب المحامين و مؤسساتهم و احتاجهم على هذا المقتضى، ليس بسبب رفضهم للرقابة في حد ذاتها ، بل رفضا لخرق الدستور و القانون و رفضا للمساس باستقلاليتهم و عدم اقتناعهم بالحجج المقدمة من طرف من يحاول ضرب هاته الاستقلالية.
أولا : من حيث الدستور
و إذا انطلقنا من دستور 2011 سنجد أنه حدد الإطار العام لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات في الفصل 147 منه و الذي جاء على الشكل التالي:
“المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله.
يمارس المجلس الأعلى للحسابات مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية.
يتولى المجلس الأعلى للحسابات ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية. ويتحقق من سلامة العمليات، المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها، ويتخذ، عند الاقتضاء، عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة.
تُناط بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية”.
و يتجلى من هذا الفصل أن الدستور رسم بشكل واضح الإطار العام لتدخل هاته المؤسسة الدستورية و وضع لها ضابطين أساسيين :
- الأول : تخصيص الرقابة على الدولة و الأجهزة العمومية .
- الثاني : جعل الرقابة لصيقة بالمال العام.
أي أن مجال تدخل المجلس الأعلى للحسابات رهين بتوفر أحد الضابطين المذكورين فقط و ليس بالضرورة أن يجتمعا.
و قد تثير الفقرتين الثالثة و الرابعة من الفصل 147 بعض التأويلات حول امتداد مراقبة هذا المجلس لمؤسسات أخرى غير الدولة .و يتعلق الأمر بالمقصود من العبارة الواردة في الفقرة الثالثة و هي كالتالي:”و يتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل و مصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون”. لكنه بوضع هاته العبارة في سياق الفقرة التي جاءت فيها أو في سياق الفصل 147 ككل سيتضح أن المقصود بالأجهزة هو تلك التابعة للدولة و التي تشرف على تنفيذ قوانين المالية و ليس الهيئات التي تتمتع باستقلال مالي و إداري بعيدا عن الدولة. و المحاماة بطبيعتها الكونية مهمة حرة مستقلة.و هذا ما يشير إليه بوضوح القانون الحالي و حتى المشروع موضوع المسطرة التشريعية نفسه. فلا يمكن أن نتحدث عن هيئات مؤسسة في إطار القانون تتمتع بالاستقلال المالي و الإداري و لا تتلقى أي مساعدات أو تمويل من طرف الدولة ، و مع ذلك نخضعها لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات الذي أحدث من أجل مراقبة المالية العمومية.
و قد يقول قائل بأن الفقرة الأخيرة من نفس الفصل تمنح الصلاحية للمجلس في تدقيق حسابات الأحزاب السياسية و مراقبة و تتبع التصريح بالممتلكات. لكن الجواب على ذلك لن يكون من الصعب على كل متتبع للشأن العام. فالأحزاب السياسية تتلقى تمويلا من الدولة سواء تعلق الأمر بالتمويل السنوي أو التمويل المتعلق بالحملات الانتخابية.أي أن هناك مال عام يبرر تدخل المجلس. أو بالنسبة لمراقبة و تتبع التصريح بالممتلكات فهو أيضا سببه المال العام مادام المعنيون بهذا الإجراء هم الموظفون العموميون الذي يتقاضون رواتبهم من المال العام و منهم من يشرف على تدبيره ، و المنتخبون الذين توضع بين أيديهم أموال عامة في إطار تسييرهم لمجالس الجماعات أو الجهات أو الأقاليم. و وجه مدخل المجلس الأعلى للحسابات هنا هو المال العام.
ثانيا : من حيث مدونة المحاكم المالية
و بالاطلاع أيضا على القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية الذي خضع لمجموعة من التعديلات بعد دستور 2011 يتضح أنه فصل بشكل كبير حدود اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات. و هكذا فقد نصت المادة 2 من هذا القانون على ما يلي :
“طبقا لأحكام الفصل 147 من الدستور، يعتبر المجلس الأعلى للحسابات الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله.
يمارس المجلس الأعلى للحسابات، والمشار إليه في هذا القانون بالمجلس، مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية.
وفي هذا الإطار، يمارس المجلس، علاوة على الصلاحيات المخولة له بموجب التشريعات الجاري بها العمل، الاختصاصات الواردة في المادة 3 بعده.”
أي أن صلاحيات المجلس لم تخرج عما رسمه الدستور من ربطها بالمالية العمومية و بالدولة و أجهزتها العمومية. و حتى عندما أشارت الفقرة الثالثة إلى الصلاحيات المخولة له بموجب التشريعات الجاري بها العمل فإنها ربطتها بالإطار العام المحدد في الفقرتين الأولى و الثانية الذي لا يتجاوز المالية العمومية التي تديرها الدولة و أجهزتها.
و قد جاءت المادة 3 التي غيرت وتممت، بالمادة الأولى من القانون رقم 55.16 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.153 بتاريخ 21 ذي القعدة 1437 (25 أغسطس 2016)، ج.ر عدد 6501 بتاريخ 19 سبتمبر 2016) لتفصل في اختصاصات هاته المؤسسة الدستورية على الوجه التالي :
“طبقا للكيفيات والشروط المحددة في هذا القانون، يمارس المجلس الاختصاصات التالية :
- التدقيق والبت في حسابات الأجهزة العمومية التي يقدمها المحاسبون العموميون.
- مع مراعاة الاختصاصات المخولة بمقتضى هذا القانون للمجالس الجهوية :
- التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
- البت في طلبات الاستئناف المرفوعة ضد القرارات والأحكام الصادرة عن غرف المجلس وعن المجالس الجهوية للحسابات.
- مراقبة تسيير الأجهزة العمومية وتقييم البرامج والمشاريع العمومية.
- مراقبة استعمال الأموال العمومية.
- تتبع تنفيذ التوصيات التي تسفر عنها المهام الرقابية.
- تدقيق حسابات الأحزاب السياسية.
- فحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية.
- مراقبة وتتبع التصاريح الإجبارية بالممتلكات طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، مع مراعاة الاختصاصات المخولة بمقتضى هذا القانون للمجالس الجهوية.
ويقوم المجلس بصفة مستمرة بمهمة التنسيق والتفتيش إزاء المجالس الجهوية”.
و هنا يتضح بما لا يدع أي مجال للتأويل بأن المجلس الأعلى للحسابات حدد له الدستور و القانون المنظم لاختصاصاته مجال تدخله بصورة واضحة و ربطه بشكل دقيق بالمالية العمومية و بالدولة و أجهزتها. و إذا كان هناك مبرر لتدخله في بعض المؤسسات غير التابعة للدولة فإن الأمر رهين باستفاذتها من المال العام. و هنا يجد هذا المجلس سند تدخله لمراقبة مدى احترام الموسسات المذكورة لأوجه الصرف كما يجري مع الأحزاب السياسية أو حتى مع الجمعيات التي تستفيد من الدعم العمومي.و في هذا السياق تجدر الإشارة بأن مالية الأحزاب السياسية لم تكن تخضع بموجب القانون رقم 12.79 المنظم للمجلس الأعلى للحسابات الصادر بتاريخ 14شتنبر 1979 لرقابة المجلس لأنها لم تكن تتلقى أي دعم من طرف الدولة في ذلك الوقت. و بعدما أصبحت الأحزاب تتلقى الدعم العمومي في أواسط الثمانينات من القرن الماضي أصبحت تخضع لرقابة هذا المجلس. و هذا يوكد أن وجود هاته المؤسسة مرتبط بالدولة و مؤسساتها و بالمال العام.أما هيئات المحامين حسب القانون المنظم للمهنة فهي مؤسسات مستقلة بشكل تام عن الدولة و لا تربطها أي صلة بالمال العام. و حساب الودائع و الأداءات الذي تدبره مجالس الهيئات لا يتلقى أية أموال عامة أو دعم عمومي كيفما كان. فهو مجرد حساب تودع فيه المبالغ المنفذة عن طريق كتابة الضبط أو بشكل ودي لفائدة موكلين ينوب عنهم محامون و تسلم في ظرف وجيز لأصحابها. و هذا الحساب و إن كان يتطلب مصاريف باهضة لتدبيره تتعلق بأجور المستخدمين أو بمصاريف تثبيت الأنظمة المعلوماتية أو بكل أدوات العمل، فإن الهيئات هي من تتولى تدبيره بشكل مستقل دون أن تشتكي أو تطلب مساعدتها من الدولة حفاظا على استقلاليتها.
كما أن ما يعزز الطرح القائل بعدم إمكانية إخضاع هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات هو أن باقي مواد مدونة المحاكم المالية لا تسعف في خضوع هاته الهيئات لمقتضياته. و من أبرزها المادة 51 المتعلقة بالتأديب و التي حصرت الأجهزة التي تخضع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات في :
- مرافق الدولة.
- المؤسسات العمومية.
- الشركات أو المقاولات التي تملك فيها الدولة أو المؤسسات العمومية على انفراد أو بصفة مشتركة بشكل مباشر أو غير مباشر، أغلبية الأسهم في الرأسمال أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار.
- الشركات أو المقاولات التي تملك فيها الدولة أو المؤسسات العمومية بصفة مشتركة مع الجماعات المحلية أغلبية الأسهم في الرأسمال أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار.
و هكذا يتضح أن هيئات المحامين لا علاقة لها بأي جهاز من الأجهزة المذكورة. و بالتالي يستحيل أن تخضع لرقابة المجلس المذكور لأن الأمر رهين ليس فقط بتعديل مدونة المحاكم المالية بل بتعديل الفصل 147 من الدستور نفسه.فما الدافع وراء الرغبة في إخضاع هذا الحساب لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات؟
ثالثا : تهافت وزير و تعليل غير بريئ !!!!!
لقد سبق للسيد وزير العدل أن صرح تحت قبة البرلمان لإقناع ممثلي الأمة بأن” هذا الحساب تدخله أموال عامة تعود للدولة و مؤسساتها و حيثما توجد أموال عامة يجب أن تكون هناك مراقبة “. لكن هذا المبرر لن يقنع أي مبتدئ في دراسة القانون.فعندما حدد الدستور و مدونة المحاكم المالية اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات و ربطها بالمال العام فإنه لم يمنحه اختصاص الرقابة على حسابات كل الأشخاص و المؤسسات التي يمر منها هذا المال و تتبعها من حساب إلى حساب. و لو كان الأمر كذلك لتم منح المجلس الأعلى للحسابات سلطة الرقابة على الحسابات الشخصية للمحامين و الموثقين و الأبناك و غيرهم من المؤسسات و الأشخاص الذين تمر الأموال العامة من بين أيديهم دون أن يكون لهم حق التصرف فيها. لكن الدستور و مدونة المحاكم المالية ربطا ذلك بالتدقيق في حساب الأجهزة العمومية و كيفية صرف المال العام و استعماله و إنفاقه من طرف هاته الأجهزة أو الهيئات التي تستفيد من المال العام في إطار القانون كالأحزاب أو الجمعيات .أما هيئات المحامين فلا تتصرف أصلا في المال العام و لا تتلقى أي دعم عمومي بأي وجه من الوجوه. هذا من جهة.
و من جهة أخرى فإن المادة 75-1 التي تمت إضافتها في المشروع من طرف مجلس المستشارين في فقرتها الأولى تنص على ما يلي :
“يخضع حساب ودائع وأداءات المحامين، المنصوص عليه في المادة 75 أعلاه، لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وفقا للإجراءات والمسطر المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، وذلك للتحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية المرتبطة به، ولاسيما عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء، وتتبع الأرصدة والفوائد والمصاريف”.
أي أن الأمر لن يقتصر على الأموال المودعة بالحساب لفائدة الدولة أو المؤسسات التابعة لها كما جاء على لسان وزير العدل، بل سيشمل جميع الأموال التي تمر عبر هذا الحساب علما أن هذا الأخير و منذ انطلاق العمل به سنة 2009 لم يشتكي منه أي موكل لأي محام سواء تعلق الأمر بالدولة أو مؤسساتها و إداراتها أو أي متقاض سواء كشخص طبيعي أو معنوي. . مما يؤكد أن المال العام لم يكن سوى مطية مصطنعة و وسيلة تدليسية لإقناع المستشارين البرلمانيين.
كما أنه بالاطلاع على الفقرة الرابعة من نفس المادة سنلاحظ أنها تضرب في الصميم استقلالية الهيئات في تدبير شؤونها ليس عن المجلس الأعلى للحسابات فقط بل حتى عن وزارة العدل، حيث ورد فيها ما يلي؛
“يحدد بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، بعد استطلاع رأي المجلس الأعلى للحسابات، مضمون الحساب السنوي ونماذج الجداول والوثائق المرفقة به، وكيفيات حفظ هذه الوثائق، وكذا كيفيات وآجال تقديم هذا الحساب إلى المجلس الأعلى للحسابات”. مما يؤكد أن وزير العدل يريد أن تتحول هيئات المحامين و مؤسساتها إلى ملحقات تأتمر بأوامره و تنفذ القرارات التي يرسمها لها في محاولة يائسة لاستلاب المحاماة و القضاء على كل مقومات استقلالها.
الأستاذ رشيد أيت بلعربي، محامي بهيئة القنيطرة.