حين تقر الوزيرة المنصوري بضياع “كرامة” المغاربة

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

تتجاوز اللغة السياسية في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى حدود التعبير عن النوايا، لتصبح مرآة عاكسة للواقع الاجتماعي والسياسي بمراراته وتناقضاته، وهو ما تجسد بجلاء في التصريح الأخير للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والمنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، حين أعلنت عن طموحها في “استرجاع كرامة المواطن المغربي”. إن هذا الخطاب، الصادر عن مسؤولة في هرم السلطة التنفيذية ورئيسة حزب يشكل ركيزة أساسية في التحالف الحكومي، لا يمكن قراءته بمعزل عن دلالاته العميقة التي توحي باعتراف رسمي صريح بأن الكرامة المغربية قد تعرضت لانتهاك أو استلاب جعلها في حاجة ماسة إلى “عملية استرداد”.

إن فعل “الاسترجاع” الذي وظفته السيدة المنصوري يحمل في طياته إدانة ضمنية لمسار طويل من السياسات العمومية، ويطرح سؤالاً جوهرياً وحارقاً : من الذي اغتصب كرامة المواطن المغربي حتى وصلت إلى هذا الحد من التردي؟ وإذا كانت الوزيرة قد ركزت في سياق حديثها على ملف السكن وإعادة الإيواء، فإن الواقع المعيشي يشير إلى أن الكرامة المغربية لم تُستباح فقط في الحق في سكن لائق، بل تم انتهاكها في شتى مناحي الحياة الأساسية. فالكرامة تُهدر يومياً في طوابير المستشفيات العمومية التي تفتقر لأبسط شروط الرعاية، وتُسلب في أقسام التعليم التي لم تعد تضمن تكافؤ الفرص أو الارتقاء الاجتماعي، وتُغتال في أسواق الشغل التي لفظت آلاف الشباب نحو العطالة أو الهجرة السرية، كما تُحاصر في فضاءات حرية الرأي والتعبير التي شهدت تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة.

إن محاولة حصر الكرامة في تسوية وضعية عقارية أو توفير سكن اقتصادي، رغم أهميته، يعد تبسيطاً مخلاً لمفهوم إنساني وحقوقي شمولي. فالكرامة هي الشعور بالأمان في الوطن، وهي الحق في تعليم جيد يحرر العقول، وصحة تصون الأجساد، وشغل يحفظ ماء الوجه، وحرية تحمي الكيان المعنوي للفرد. وعندما تقر مسؤولة حكومية بضرورة “استرجاع” هذه الكرامة، فهي تقر بفشل المنظومة في حماية هذه الحقوق طيلة عقود، وهي المنظومة التي كان حزبها ولا يزال جزءاً فاعلاً في تدبيرها. وهنا تبرز المفارقة الكبرى: كيف يمكن لمن ساهم في صناعة الواقع الحالي أو استمراره أن يقدم نفسه كمنقذ ومسترد لما ضاع؟

لا يمكن استبعاد فرضية “زلة اللسان” أو تداخل الكلمات في لحظة حماس سياسي مرتبط بحملة انتخابية سابقة لأوانها ولم تكن تقصد، لكن حتى في حال كانت زلة لسان، فإنها تظل “زلة كاشفة” لوعي باطني بحجم الغبن الاجتماعي الذي يعيشه معظم المغاربة. إن الشعب المغربي، بوعيه المتنامي، يدرك أن الكرامة لا تُسترد بالوعود الانتخابية أو الشعارات البراقة في الاجتماعات الحزبية المغلقة، بل تُنتزع من خلال إصلاحات هيكلية حقيقية تقطع مع اقتصاد الريع والفساد، وتكرس دولة الحق والقانون والمؤسسات.

في نهاية المطاف، يبقى تصريح السيدة فاطمة الزهراء المنصوري وثيقة سياسية هامة للاعتراف بالتقصير، لكنه يظل ناقصاً ما لم يقترن بتحديد دقيق للمسؤوليات عن “اغتصاب” كرامة المواطن، وبخارطة طريق واضحة تتجاوز قطاع السكن لتشمل إصلاحاً شاملاً للمنظومة الحقوقية والاجتماعية. إن استرداد الكرامة ليس مجرد “تحمس” عمدة أو طموح وزيرة في مهرجان خطابي ضيق، بل هو ورش وطني يتطلب إرادة سياسية صادقة تُعيد للمواطن اعتباره كإنسان قبل أن يكون مجرد رقم انتخابي أو مستفيد من مشروع سكني. وبدون ذلك، سيبقى خطاب “الكرامة” مجرد صدى في فضاء سياسي يحتاج إلى أفعال تسبق الأقوال، وإلى عدالة اجتماعية تجعل من الكرامة واقعاً معاشاً لا حلماً يُستجدى في منصات الخطابة كلما اقترنت بالانتخابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!