بلجيكا تعيد هيكلة الإسلام من أسفل إلى أعلى

الحسين بنلعايل مدير موطني نيوز في أوروبا

الحسين بنلعايل – موطني نيوز 

يُعد الاجتماع الذي عُقد في المسجد الكبير ببروكسل يوم 23 مايو 2026، والذي جمع ممثلين عن أكثر من مئتي مسجد من الأقاليم الثلاثة في بلجيكا، علامة فارقة في مسار تنظيم العبادة الإسلامية بهذا البلد الأوروبي. فبعد سنوات من الأزمة المؤسسية التي عصفت بالهيئات الممثلة للمسلمين، والتي كانت تعكس صراعات داخلية وتأثيرات خارجية، يبدو أن المجتمع الإسلامي البلجيكي دخل مرحلة جديدة تتجاوز منطق الانقسامات الضيقة نحو بناء كيان قادر على مخاطبة الدولة والمجتمع بثقة وشرعية. لكن ما يجعل هذا الاجتماع بالغ الأهمية من الناحية السياسية ليس فقط عدد المشاركين أو الأجواء الإيجابية التي أحاطت به، بل السياق الذي جاء فيه، والآليات التي تم الاتفاق عليها، والدور الذي لعبته السلطات العمومية.

أولاً، لا يمكن فهم هذا التطور دون العودة إلى دور وزارة العدل البلجيكية، وتحديداً وزيرة العدل أنيليس فيرليندن، التي أصرت على تعيين وسيط محايد، السيد خالد بن حدو، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ملف تنظيم العبادة الإسلامية. وهنا تكمن المفارقة: في دولة علمانية مثل بلجيكا، تتدخل الدولة بشكل مباشر في هيكلة الطوائف الدينية المعترف بها، ليس لتوجيهها عقائدياً، بل لضمان وجود شركاء مؤسسيين يمكن التفاوض معهم حول قضايا مثل تمويل دور العبادة، وتعليم الأئمة، والاعتراف القانوني بالعقود الزوجية والجنائزية. وبالتالي فإن استمرار الفراغ المؤسسي داخل الإسلام البلجيكي كان يعني، عملياً، حرمان المسلمين من حقوق أساسية يتمتع بها أتباع الديانات الأخرى المعترف بها، كالمسيحية واليهودية. لذا فإن الاجتماع الأخير لم يكن مجرد لقاء ديني، بل خطوة ضرورية لاستعادة العلاقة التعاقدية بين الدولة والمجتمع المسلم.

ثانياً، يكمن الابتكار السياسي في هذا المسار في المبدأ الذي تم إجماع الحاضرين عليه: أن تكون المساجد هي أساس التمثيل، وليس الهيئات القائمة على الانتماءات الفردية أو القومية أو الحزبية. هذا المبدأ يحمل في طياته تحولاً جوهرياً عن النماذج السابقة التي كانت تعاني من هيمنة جماعات ضغط معينة، أو من تدخلات مباشرة من دول خارجية تسعى لفرض أئمة وتمثيلات تخدم أجنداتها. فبالانتقال إلى نظام قائم على المساجد، تصبح الشرعية متأتية من القاعدة وليس من القمة، مما يصعّب عملية احتكار التمثيل من قبل جهة واحدة، ويفسح المجال أمام تنوع طبيعي للتعبير عن المذاهب والتوجهات المختلفة داخل الإسلام البلجيكي. لكن التحدي الحقيقي يبقى في آلية ترجمة هذا المبدأ إلى صيغة قانونية: كيف سيتم تحديد أي المساجد مؤهلة للتصويت؟ ما هو الحد الأدنى للمصلين أو حجم النشاط الذي يمنح المسجد حق التمثيل؟ من سيشرف على تسجيل المساجد واعتمادها؟ هذه الأسئلة لم تُجب عنها النصوص المتاحة، لكن الاتفاق على المبدأ بحد ذاته يقطع الطريق على الكثير من الممارسات السابقة التي كانت تقوم على الالتفاف على المساجد التقليدية لصالح مراكز ثقافية أو منظمات جامعية أو جمعيات شخصية.

ثالثاً، يشير البلاغ إلى رفض طلبات التأجيل رغم الظروف التنظيمية الصعبة، وهذا مؤشر لا يقل أهمية. ففي الملفات المؤسسية المعقدة، غالباً ما تُستخدم طلبات التأجيل كورقة ضغط لإفشال أي دينامية إيجابية أو لاستنزاف زخمها. إن إصرار المنظمين على عقد الاجتماع في موعده يؤشر إلى وجود إرادة جماعية حقيقية، أو ربما إلى وعي بأن أي تأجيل جديد كان سيعني انهيار العملية برمتها. كما أن فتح الباب أمام جميع الفيدراليات والاتحادات للانضمام لاحقاً يحمل رسالة سياسية واضحة: هذا ليس مشروع محاصصة أو استبعاد، بل هو مشروع وطني إسلامي بلجيكي يرحب بالجميع، شريطة القبول بقواعد اللعبة الجديدة.

رابعاً، توقيت الاجتماع في أيام ذي الحجة، مع النداء إلى الوحدة والأخوة وتجاوز الانقسامات، لا يحمل فقط دلالة دينية أو خطابياً عاطفياً، بل هو استثمار رمزي ذكي. فالشهر الذي يؤدي فيه المسلمون فريضة الحج، متحدين مختفياً خلف إحرام واحد، هو الشهر الأنسب لإطلاق مثل هذه المبادرة التوحيدية. غير أن التحليل السياسي يفرض التساؤل: هل هذا النداء كافٍ لطمأنة الأطراف المتضررة من التغيير المؤسسي؟ من سيخسر صلاحياته أو نفوذه في ظل النظام القائم على المساجد؟ وما مصير الفيدراليات القائمة حالياً؟ هل ستذوب داخل الهيئة الجديدة، أم ستحتفظ بدور استشاري أو إداري؟ النص لا يقدم إجابة، لكن التاريخ يعلمنا أن الإجماع على المبادئ الكبرى هو أسهل مراحل الإصلاح، بينما تبدأ الصعوبات الحقيقية عند الانتقال إلى التفاصيل التنفيذية.

وأخيراً، لا يمكن إنكار أن هذا الاجتماع يمثل انتصاراً للتيار الذي يؤمن بالعمل المؤسسي والوساطة الحكومية على التيار الذي كان يفضل الاستمرار في الفوضى المفيدة أو الاعتماد على رعاة خارجيين. الدولة البلجيكية، التي طالما اشتكت من عدم وجود شريك موثوق للتعامل معه في الملف الإسلامي، وجدت أخيراً في هذا الاجتماع حليفاً محتملاً. لكن النجاح النهائي سيتوقف على قدرة اللجنة الحالية على تحويل هذا الزخم السياسي والأخلاقي إلى نصوص قانونية وآليات انتخابية ونظام مالي شفاف، مع الحفاظ على التوازن بين الرقابة الحكومية الضرورية وحرمة الشأن الديني. الأيام المقبلة، وربما الأسابيع، ستكون حاسمة لمعرفة ما إذا كان هذا “الاجتماع التاريخي” سيبقى مجرد بلاغ صحفي جميل، أم سيتحول إلى أساس قانوني لمؤسسة إسلامية بلجيكية دائمة ومستقرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *