الأكل فوق القبور

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتغير معه قيم المجتمع، بتنا نشهد ظواهر اجتماعية تتحول تدريجياً إلى مسرحٍ للنفاق والاستغلال، لا سيما في أوقاتٍ يفترض أن تكون مقدسةً ومحترمة. إنها ظاهرة “تزييف المشاعر”، حيث تتحول مناسبات الحزن والمواساة إلى استعراضٍ اجتماعي بامتياز، يغيب عنه جوهر التعاطف الصادق ليحل محله بريق المظاهر الخادعة. هذه الظاهرة، التي تتجلى في تحويل طقوس العزاء من لحظاتٍ للتأمل والمواساة إلى “احتفاليات اجتماعية” صاخبة، ليست مجرد انحرافٍ بسيط، بل هي انعكاسٌ عميقٌ لتشوهٍ قيمي يضرب في صميم نسيجنا الاجتماعي.

إننا نرى بأعيننا كيف تُرفع الأقنعة التنكرية على وجوهٍ تدعي الحزن، بينما تنشغل الأيدي بالهواتف المحمولة لتوثيق الحضور، وكأن الهدف هو إثبات الوجود لا المشاركة الوجدانية. تتحول الموائد الضخمة، التي تُعد على حساب أهل المصاب، إلى رمزٍ للاستهلاك والانتهازية، حيث يصبح المعزون “أفواهاً جائعة” تضغط على كاهل من فقد عزيزاً، محوّلةً بيت العزاء إلى ما يشبه المطعم، بينما يغرق أصحاب الفاجعة في بحرٍ من الدموع الصامتة. هذا التناقض الصارخ بين حزنٍ حقيقي صامت وضجيجٍ اجتماعي مصطنع يكشف عن هوةٍ سحيقة بين معاناة الأفراد ولامبالاة المجتمع الذي يمارس “إرهاباً اجتماعياً” يدفع الأسر إلى الديون لإرضاء “ألسنة الناس” وتجنب الانتقاد.

لكن الخطر الأكبر يكمن عندما تتسلل هذه الظاهرة إلى دهاليز السياسة، لتصبح أداةً رخيصة في أيدي الطامعين بالسلطة. فما نشهده اليوم هو استغلالٌ فاضحٌ للمشاعر الإنسانية، وتحويلٌ مقيتٌ للمناسبات الاجتماعية، بما فيها طقوس العزاء، إلى منصاتٍ انتخابية بامتياز. تتحول الجنازات الكبيرة، التي يفترض أن تكون لحظات خشوع وتوديع، إلى فرصةٍ للسياسيين والمرشحين لاستعراض نفوذهم و”قربهم من الناس”. يحضرون بـ”جيوش” من المصورين، لا لمواساة الفقيد، بل لإيصال رسالةٍ مفادها أنهم جزءٌ من النسيج الاجتماعي، وأنهم يشاركون الناس أحزانهم، بينما الهدف الحقيقي هو كسب الأصوات والولاءات.

إن استعراض النفوذ هذا لا يقتصر على الظهور العلني فحسب، بل يتعداه إلى “شراء الولاءات” بطرقٍ ملتوية. فتمويل الولائم الضخمة في العزاءات، تحت مسمى “الخدمة الاجتماعية”، ليس سوى محاولةٍ مكشوفة لكسب أصوات العائلات الكبيرة، وهو ما يعزز من ظاهرة “الأكل فوق القبور” التي تنتقدها الفطرة السليمة. يستغل السياسي الانتهازي لحظة ضعف العائلة لتقديم وعودٍ أو خدمات، محوّلاً لحظة إنسانية مقدسة إلى ورقةٍ في صندوق الاقتراع، في استهانةٍ بالغة بقدسية الموت وحرمة المشاعر.

إن هذه الظاهرة، بكل تجلياتها الاجتماعية والسياسية، هي صرخةٌ مدوية ضد “مأسسة النفاق”. إنها دعوةٌ ملحة لاستعادة قدسية الموت وفصلها عن الاستعراض الاجتماعي والسياسي الرخيص. فإطعام “مئات البطون الجائعة للثرثرة” على حساب حزنٍ إنساني نبيل، واستغلال هذا الحزن لتحقيق مكاسب سياسية، هو جريمةٌ لا تغتفر بحق الإنسانية، وتشويهٌ لمفهوم المواساة الذي يجب أن يبقى بعيداً عن أي استغلال أو تزييف أو معادلة إنتخابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *