وحوشٌ بوجوهٍ آدمية

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في زمنٍ تلاشت فيه الحدود بين الحق والباطل، وتآكلت فيه القيم تحت وطأة المصالح، يبرز بيننا صنفٌ من البشر لا يملك من الإنسانية إلا قناعها الرقيق. إنهم ليسوا مجرد مرضى نفسيين، بل هم فئةٌ تجاوزت فكرة الشعور بالذنب، وأعادت تعريف الخير والشر وفق أهوائها المريضة، لتصبح وحوشاً بوجوهٍ آدمية، تتجول بيننا بابتسامةٍ باردة وقلبٍ أقسى من الصخر.

هذه الفئة الخطيرة، التي يمكن أن نطلق عليها “موتى الضمير” أو “المتاجرون بالأخلاقية”، لا تعرف الندم ولا يكسرها وخز الضمير مهما بلغ حجم أذاها للآخرين. إنهم يرتكبون الفظائع ثم ينامون قريري العين، وكأن ما اقترفوه لم يكن سوى تفصيلٍ عابر في سجل حياتهم المظلم. لقد اتخذوا من أوجاعهم السابقة رخصةً لإيذاء الآخرين، متبنين منطقاً شيطانياً مفاده : “أنا ظُلمت، إذن لي الحق أن أظلم”. هذه الفلسفة البائسة هي درعهم الواقي، الذي يحول تجاربهم السيئة إلى مبررٍ لإفساد حياة كل من حولهم، فيقتلون بدمٍ بارد تحت شعار “لم يرحمني أحد، فلن أرحم أحداً”.

إنهم يعيشون في فقاعةٍ من الغرور والاستعلاء، يعتقدون أنهم يحسنون صنعاً بينما هم في الواقع يدمرون كل ما تطاله أيديهم الملوثة. قد تراهم يمارسون الشعائر الدينية، يقفون في صفوف المصلين، ويشاركون في موائد الرحمن، ومنهم من حج بيت الحرام لكن بمالٍ حرام وقلوبٍ قاسية، كنوعٍ من التمويه الاجتماعي الرخيص. إنها أقنعةٌ دينية زائفة تسقط أمام حقيقة أفعالهم، وتفضح التناقض الصارخ بين المظهر والمخبر. يحاولون رشوة الخالق بمظاهر كاذبة، بينما هم في جوهرهم يقتلون الضمير والإنسانية.

لقد تحولت البشرية في نظرهم إلى مجرد أرقام، فالإنسان يفقد قيمته بمجرد أن يتعارض وجوده مع مصالحهم الشخصية. يتبنون عقلية “ستالين”، حيث موت شخصٍ واحد جريمة، أما موت الملايين فهو مجرد إحصائية. يسقط الذنب عندهم عندما يفقد الضحايا إنسانيتهم في أعينهم الباردة، محولين الأرواح إلى مجرد بنود في جداول حساباتهم القذرة. وحتى اعتذاراتهم، إن حدثت، فهي ليست سوى مناوراتٍ تكتيكية، انحناءةٍ مؤقتة للعاصفة لامتصاص الغضب، دون أي نيةٍ حقيقية للتغيير أو التوبة. إنهم لا يعتذرون عن خطأ، بل يمتصون الغضب ثم يعودون لممارسة أذاهم بوقاحةٍ أكبر.

إن قلوبهم قد غلفها “الرّان”، ذلك الصدأ الذي يتراكم من كثرة التبريرات والأفعال المشينة، حتى يموت الإحساس تماماً. يصبح الأذى عندهم مجرد “إجراء” أو “سياسة”، وتتلاشى معاني الرحمة والشفقة. إنهم يعيشون في وهم “الإحسان”، يظنون أنهم أذكياء أو ناجحون، بينما هم في الحقيقة “الأخسرون أعمالاً”، كما وصفهم القرآن الكريم. إنهم يضلون سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فما أتعسهم من بشر!

أقول وأختم، لا يسعنا إلا أن نطلق تحذيراً قاسياً “لا تحاول زرع الضمير في أرضٍ محروقة”. من لا يرى الذنب في عينيه، لا تراهن على صحوته. النجاة منهم هي فرض عين، والابتعاد عنهم هو الحل الوحيد. الكافر الحقيقي ليس من ترك الصلاة، بل هو ذاك الذي نزع عن الآخر إنسانيته، وقتل في نفسه القدرة على الشعور بالذنب، ثم مضى يبتسم في وجوهنا وكأن شيئاً لم يكن.

قال الله تعالى في سورة الكهف : “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)” صدق الله العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *