
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في خطوة نادرة في المشهد السياسي في المغرب، أعلن الأستاذ المحامي أمين قرواش اعتذاره الرسمي عن شغل المقعد الشاغر في مجلس جماعة بنسليمان، الذي كان يُنتظر أن يخلف فيه السيد كريم الزيادي بعد عزله مؤخراً من العضوية على خلفية تقديم استقالته من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وكشف الأستاذ قرواش، في تصريح حصري لـ”موطني نيوز”، عن الأسباب الحقيقية وراء قراره، وهي أسباب تتجاوز الحسابات الشخصية أو الحزبية لتصل إلى قلب الأزمة التي تعيشها الجماعات الترابية في المغرب اليوم. قال بكل صراحة: “الأوضاع لا تبشر بالخير، والعمل من داخل هذه الجماعة وفي ظل التشكيلة الحالية بات من المستحيلات”. وأضاف أن المدينة “تراجعت إلى الخلف تنمويا ولم تعد تشرف الساكنة”، مشيراً إلى أن الدخول في هذه الظرفية يشبه “من يصب الماء في الرمل”، إذ إن بنسليمان “غارقة في الوحل وفي شتى أشكال التسيب”.
لم يكن الاعتذار مجرد رفض فردي، بل هو إعلان سياسي واضح يعكس وعياً عميقاً بمسؤولية الشاب السياسي أمام ناخبيه. أكد قرواش أنه يرفض أن “يغامر بمصداقيته كشاب ابن المدينة وكمحامٍ له وزنه يثق فيه الناس”، وأن يتحول إلى “كائن سياسي يكذب على المواطنين”. وختم تصريحه بكلمات تعبر عن طموح الجيل الجديد : “قررت أن أنأى بنفسي عن هذا المجلس والمدة المتبقية تعتبر في نظري “وقت بدل الضائع”، وكشاب طموح أرفض أن أكون في دكة الاحتياط أو ألعب في الوقت الضائع”.
ويأتي هذا الموقف في سياق أوسع يشهد فيه المغرب تراجعاً ملحوظاً في أداء بعض الجماعات الترابية ومن بينهم بنسليمان، رغم كل الإصلاحات الدستورية والقانونية التي أُقرت منذ 2011. فالجماعات لم تعد مجرد أجهزة إدارية محلية، بل أصبحت مرآة تعكس مدى جدية الدولة في تفعيل الجهوية المتقدمة والديمقراطية التشاركية. وعندما يصل الأمر إلى أن يرفض سياسي شاب، يتمتع بشرعية مهنية واجتماعية قوية كالأستاذ أمين قرواش، الانخراط في مجلس جماعي، فإن ذلك يشكل إشارة تحذيرية خطيرة.
لأن الرسالة الأساسية التي يحملها الاعتذار هي أن “التركيبة الحالية” لمجلس بنسليمان أصبحت عائقاً أمام أي عمل تنموي حقيقي. فالمدينة التي كانت في السابق تُضرب بها المثل في بعض المجالات، أصبحت اليوم – حسب وصف الأستاذ أمين قرواش – “غارقة في الوحل”، أي في الفوضى الإدارية، والتسيب المالي، والعجز عن تقديم خدمات أساسية للساكنة ولعل الحالة الكارثية للطرقات الرئيسية تتحدث عن نفسها. هذا الوصف ليس مجرد بلاغة سياسية، بل هو تشخيص دقيق لظاهرة أكبر تحول بعض المجالس إلى ساحات للصراعات الحزبية الضيقة، بدلاً من أن تكون فضاءات للتنمية المحلية.
من جهة أخرى، يعكس موقف الأستاذ أمين قرواش تحولاً في الثقافة السياسية لدى جيل الشباب. فبدلاً من الاندفاع نحو المناصب بأي ثمن، يختار الشاب الطموح “النأي بنفسه” حفاظاً على مصداقيته وإحتراما لناخبيه. هذا الاختيار يحمل في طياته نقداً لاذعاً للآلية التي تُدار بها التعيينات في بعض الجماعات، حيث أصبح المنصب غاية في حد ذاته، لا وسيلة لخدمة المواطن.
وعليه يُعد اعتذار الأستاذ أمين قرواش نموذجاً لـ”السياسة بالضمير” في زمن أصبحت فيه المصداقية سلعة نادرة. فهو يذكرنا بأن الشباب المغربي لم يعد يقبل بـ”دكة الاحتياط” أو “الوقت الضائع”، بل يطالب بمجالس جماعية قادرة على صناعة الفرق، لا على استهلاك المدة الانتدابية. وفي الوقت الذي تُطرح فيه أسئلة كبيرة حول فعالية الانتخابات المقبلة، يصبح مثل هذا الموقف دعوة صريحة لإصلاح جذري في آليات تشكيل المجالس وفي ثقافة العمل الجماعي.
فالساكنة في بنسليمان، ومعهم كل المواطنين الذين يتابعون الشأن المحلي، ينتظرون الآن من يخلف كريم الزيادي. لكن السؤال الأكبر الذي يطرحه اعتذار أمين قرواش : هل سيكون الخلف قادراً على الخروج بالمدينة من “الوحل”، أم أن سيفضل اللعب في “الوقت الضائع” ليستمر المجلس؟
الأستاذ أمين قرواش اختار اليوم أن يحافظ على رأسماله الرمزي – المصداقية – بدلاً من المغامرة به. وهذا الاختيار، في حد ذاته، يُعد انتصاراً للسياسة النبيلة على سياسة المواقع.
حظاً موفقاً لمن سيخلفه وأمل كبير في أن تكون بنسليمان، ومثيلاتها من الجماعات، في المستقبل جديرة بأبنائها الطموحين.