
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
في كل استحقاق انتخابي، تتجلى أمامنا حقيقة مرة، ظهور كائنات انتخابية لا تتقن سوى فن المتاجرة بالسياسة والمصلحة العامة. هؤلاء ليسوا سوى تجار يبرعون في الظهور والاختفاء؛ يطلون برؤوسهم عندما تلوح في الأفق فرص النفوذ والمصالح، ثم يتوارون عن الأنظار بمجرد قضاء مآربهم من الناخبين المغفلين، وعلى رأسهم أولئك الذين يبيعون ذممهم في كل مناسبة، محولين العملية الديمقراطية إلى سوق نخاسة رخيص.
إن انتخابات شتنبر 2026، التي حددت أم الوزارات تاريخها، تعد بأن تكون مسرحاً جديداً لهذه اللعبة القديمة. ستشهد عودة وجوه خذلت الساكنة بعد أن تصدرت المشهد، وأخرى جربت حظها وفشلت، وثالثة ستخوض غمار التجربة لأول مرة، وكلها تتنافس في هذا السوق الانتخابي القذر. لكن الواضح أن هذه الانتخابات لن تجلب سوى الويلات والانشقاقات، فلعنة الكراسي تلاحق أصحابها أينما حلوا وارتحلوا.
لائحة حزب الاستقلال، التي يقودها معالي الوزير رياض مزور، مهندس وسياسي معروف في قطاع صناعة السيارات، ووزير الصناعة والتجارة في حكومة عزيز أخنوش، تواجه صعوبات جمة. فالتسريبات تشير إلى معاناته في اختيار المرتبتين الثانية والثالثة، حتى بعد استبعاد رئيسي جماعتي بوزنيقة ومليلية. الصراع الداخلي يتفاقم بين نزهة عفيري، التي كان يحكم عمها امبارك عفيري جماعة المنصورية بنسبة 100%، وبين محمد اجديرة، رئيس جماعة بنسليمان المهدد بالعزل والمتابع في شكايات عديدة لدى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. هذا المشهد يكشف عن شبكة معقدة من المصالح المتضاربة، حيث الولاءات الشخصية تتفوق على أي اعتبار للمصلحة العامة، وتتحول المناصب إلى غنائم توزع وفق حسابات ضيقة.
أما لائحة حزب التجمع الوطني للأحرار، فهي الأخرى ليست بمنأى عن هذه التغيرات الدراماتيكية. فالألسن بالإقليم تلوك تسريبات مفادها أن ياسين عكاشا لن يترشح لولاية أخرى. بدلاً من ذلك، سيعود شقيقه الأكبر حسن عكاشا ليستلم المقعد الذي ورثه عن والده وحماه، والذي سلمه لشقيقه الأصغر في 2021. هذا التناوب العائلي ليس سوى دليل صارخ على ثقة القبيلة في هذه عائلي ومنذ الأزل، بينما يُكافأ الأخ الأصغر بمنصب دبلوماسي كسفير، تماماً كما حدث مع النائب البرلماني السابق شفيق الرشادي، الذي عين سفيراً للمغرب في كوريا الجنوبية. هذه الصفقات السياسية المفضوحة تؤكد أن المناصب ليست لخدمة الوطن، بل لتصفية الحسابات وتوزيع المكافآت بين أفراد النخبة الحاكمة.
ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لوكيل لائحة حزب التقدم والاشتراكية، كريم الزيادي، الذي قدم استقالته من حزب الاتحاد الاشتراكي. يبدو أن عامل إقليم بنسليمان قد رفع ضده دعوى قضائية لعزله من منصبه، كما أن حزبه السياسي يمكنه طلب تجريده من مقعده. هذه الإجراءات القانونية، التي قد تؤدي إلى شغور المقعد وتعويضه بالمرشح التالي في اللائحة، تضع مصير كريم الزيادي على المحك، وتكشف كيف يمكن أن تتحول القوانين إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية، حيث يصبح الترشح للانتخابات البرلمانية رهيناً بمصطلحي العزل والتجريد، بدلاً من الكفاءة والنزاهة.
في المحصلة، الحرب الانتخابية في إقليم بنسليمان ستكون طاحنة، وكلمة الفصل فيها ستكون للمال الحرام الذي يستمال به الناخبون المستعدون لبيع أصواتهم في كل مرة. أما الوعود الكاذبة والبرامج الانتخابية المخادعة، فليست سوى حيل ومسرحيات ألفناها وتعودنا التصفيق لها والهتاف لمن يقومون بأدوارها، ولو مؤقتاً، في هذا المشهد العبثي الذي يفتقر لأي معنى حقيقي للديمقراطية.
قال تعالى : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].