
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لا يحتاج المرء إلى عين خبير ليلمس الفارق الصادم بين مدينة كانت تتنفس طموحاً وأخرى باتت تختنق تحت وطأة التسيب والإهمال المُمنهج. بنسليمان، تلك المدينة التي كانت تستعد لنقلة نوعية في عهد الرئيس السابق للمجلس الجماعي خليل الدهي، تجد نفسها اليوم أسيرة حقبة من الجمود المطلق، حيث تتحول المشاريع الحيوية إلى مجرد حبر على ورق، والأحلام العمرانية إلى كوابيس يومية يعيشها السكان في صمت مرير.
المفارقة المُرة تكمن في أن الإطاحة بالدهي لم تكن نتيجة فشل أو تقصير، بل كانت ثمرة مؤامرة دُبرت خلف الأبواب المغلقة، حيث تواطأت أيادٍ خفية مع السلطة المحلية آنذاك لتنصيب رئيس “على المقاس”، قابل للتوجيه والتحريك كيفما شاءت الأهواء. وبالفعل، جاء محمد أجديرة ليحكم قبضته على المدينة لولايتين متتاليتين امتدتا من 2015 إلى 2026، محمياً بحصانة لا يتمتع بها حتى نواب الأمة، في مشهد يثير التساؤل حول طبيعة السلطة الحقيقية التي يخضع لها هذا المسؤول المحلي.
طوال احدى عشر عاماً من الحكم، لم يغرس هذا الرئيس شجرة واحدة في هذه المدينة، ولم يضف لبنة واحدة إلى صرح التنمية الذي كان يُفترض أن يُبنى. بل على النقيض تماماً، أعاد عقارب الساعة إلى الوراء، وحوّل كل ما أنجزه سلفه إلى رماد. الساحة المركزية المحيطة بالمسجد العتيق، تلك المساحة الشاسعة البالغة 35 ألف متر مربع والتي كان مُقدراً لها أن تتحول إلى فضاء حضاري بغلاف مالي يناهز 25 مليون درهم، ظلت حبيسة الملفات المنسية. وساحة الشلال التي كانت ستُكلف 6 ملايين درهم فقط، بقيت مجرد وعد لم يتحقق. أما حديقة لالة مريم، التي رُصدت لإعادة تهيئتها 13 مليون درهم، فقد تُركت لتذبل كما تذبل آمال السكان.
والأنكى من ذلك، أن مشروع السوق المركزي الجديد بمواصفاته العصرية والمحطة الطرقية، اللذين كان من المفترض أن يُنجزا بغلاف مالي ضخم يناهز 45 مليون درهم، دُفنا قبل أن يريا النور. المسبح البلدي الذي كان يحتاج فقط إلى 6 ملايين درهم لإعادة تهيئته، والملعب البلدي لكرة القدم الذي رُصد له 75 مليون درهم، ونادي التنس الذي كان سيُعاد تأهيله بـ7 ملايين درهم، جميعها مشاريع ابتلعتها دهاليز النسيان. حتى مقر الجماعة نفسه، ذلك البناء الممتد على مساحة 2200 متر مربع والذي ظل أطلالاً منذ 2011 رغم تخصيص 20 مليون درهم لإتمامه، يقف شاهداً على حجم الفشل والتقصير.
ولا تتوقف المأساة عند هذا الحد، فشوارع المدينة التي كانت مُبرمجة للتهيئة بميزانيات محددة ومدروسة، تحولت هي الأخرى إلى سراب. شارع لالة عائشة بـ16 مليون درهم، والطريق رقم 313 بـ17 مليون درهم، وشارع الجيش الملكي بـ25 مليون درهم، وشارع الأمير مولاي عبد الله بـ5 ملايين درهم، وشارع علال بن عبد الله بـ5 ملايين درهم، كلها بقيت حبراً على ورق، بينما يعاني السكان من الحفر والإهمال اليومي.
لكن الكارثة الحقيقية ليست فقط في المشاريع التي لم تُنجز، بل في تدمير ما أُنجز فعلاً. فخليل الدهي، خلال ولايته الواحدة، نجح في تهيئة 60 ألف متر مربع من المساحات الخضراء شملت مداخل المدينة والحدائق العمومية، إضافة إلى تهيئة الساحات العمومية والطرق، وتطهير شبكة الصرف الصحي التي غطت 40 كيلومتراً بجميع أحياء المدينة، وتوسيع شبكة الإنارة العمومية، وتبليط 250 ألف متر مربع. كل هذا الإنجاز تعرض للإهمال والتخريب المُمنهج، كأن المدينة عوقبت على جرأتها في التطلع نحو الأفضل.
اليوم، تقبع بنسليمان تحت سلطة رهط من الناس لا هم لهم سوى الإفساد، رهط تحميهم حصانة غامضة وتدعمهم جهات لا تريد للمدينة أن تنهض. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح : إلى متى ستظل هذه المدينة رهينة لمن يُديرون ظهورهم لمصلحتها؟ ومتى سيُحاسب من حوّل ميزانيات بمئات الملايين من أحلام إلى كوابيس؟ الإجابة تبقى معلقة في سماء مدينة نُسيت، ومشاريع دُفنت، وشعب يئن تحت وطأة الإهمال.
لدرجة ان بنسليمان التي كانت تحمل لقبين “المدينة الخضراء” و “إفران الشاوية” باتت اليوم مدينة السيبة والفساد، حيت الكلاب الضالة تحكمها و البهائم و الاغنام المنتشرة تسودها و البناء العشوائي و الاحتلالات الكثيرة للملك العمومي هي من لها الكلمة الفصل فيها.
وصدق الله العظيم إذ يقول : “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”.