بلجيكا : لحم الخنزير يُباع على أنه “حلال” والمشترون يصلّون عليه قبل أكله!

الحسين بنلعايل مدير مكتب موطني نيوز في بلجيكا

الحسين بنلعايل – موطني نيوز 

في قلب ما يُصوَّر على أنه نموذج للتعايش والتعددية في أوروبا، تنبثق فضيحة تكشف عن سرطان أخلاقي ينخر جسد الجالية المسلمة والضمير العام في بلجيكا. ليست هذه مجرد قضية لحوم مشبوهة، بل هي تشريح لظاهرة مركبة ومعقدة: تأسيس سوق موازية للقداسة، حيث يُصبح الإيمان سلعة قابلة للتفاوض، والثقة الدينية أداة للاستغلال المادي.

التحليل هنا يجب أن يتجاوز حدود “الغش التجاري” البسيط. نحن أمام عملية منهجية لـ “اختطاف الرمز الديني” وتحويله إلى علامة تجارية فارغة من المضمون، لكنها مليئة بالربح. الإمام أو الخطيب، الذي من المفترض أن يكون حارسًا للحدود الأخلاقية والدينية، يتحول إلى “كاسب محلي” في شبكة فساد. إنه لا يبيع شهادة ورقية فحسب؛ إنه يبيع غطاءً من “الشرعية” يُبَرِّر كل عملية ذبح غير شرعية، وكل قطعة لحم مجهولة المصدر. إنه بذلك لا يخون القانون البلجيكي فقط، بل يطعن جوهر الدين الذي يمثله في الصميم: وهو مفهوم النظافة (الجسدية والروحية)، والشفافية (“وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا”)، والأمانة التي هي أساس العبادة.

التواطؤ لا يقف عند حدود الفرد الفاسد. الظاهرة تُشير إلى شبكة محاصصة صامتة تشمل:

· الجزار أو التاجر: الذي يبحث عن مختصر للربح، متجاوزًا تكاليف الذبح الشرعي الحقيقي ورقابته.
· الإمام أو المصدِّق: الذي يحوّل سلطته الروحية إلى رأس مال رمزي يُبادَل بالمال.
· المسجد أو الهيئة المُشرِّفة (في بعض الحالات): التي قد تغض الطرف مقابل حصة مالية أو “تبرعات” تُصبِح مصدر تمويل غير خاضع للمساءلة.
· العميل المسلم: الذي قد يكتفي بالمظهر – الختم والورقة – دون البحث الفعلي عن المصدر، مغترًا بالشكل الخارجي للامتثال الديني.

هذه البيئة الخصبة للفساد تُغذّيها عوامل عميقة:

1. الفراغ المؤسسي واللامركزية: غياب هيئة إسلامية مركزية موحَّدة وشفافة في بلجيكا تتمتع بسلطة رقابية حقيقية، يفتح الباب أمام “المستقلين” والمتاجرين بالدين.
2. الاقتصاد الموازي للجالية: حيث تُبنى الثروات أحيانًا على استغلال حاجات الجالية الأساسية – كالطعام الحلال – وتحويلها إلى سوق احتكاري يتحكم به وسطاء.
3. الاستسهال والراحة: من جانب المستهلك، الذي قد يفضل الثقة العمياء في “ختم” معروف على عناء التحقق. ومن جانب التاجر، الذي يرى في الرشوة طريقًا مختصرًا أمام التعقيدات القانونية والدينية.
4. ثقافة الصمت والخوف: داخل الجالية نفسها، حيث يخشى البعض من “تلويث صورة الإسلام” أو مواجهة شخصيات تعتبر نافذة، فيُفضلون السكوت، مما يمنح الفاسدين مظلة من الحصانة.

العواقب هنا كارثية ومتعددة الطبقات:

· دينياً: يتم تفريغ مفهوم “الحلال” من محتواه الأخلاقي والروحي، ليصمار مجرد ملصق تسويقي. هذه هي الهرطقة الحديثة: ليست خطأ في العقيدة، بل خيانة في التطبيق تُفرغ العقيدة من مضمونها.
· صحيًا: استهلاك لحوم مجهولة المصدر، قديمة، أو غير مفحوصة، يعرّض حياة الناس لأمراض حقيقية.
· مجتمعيًا: يُعمِّق هذا الفساد الشرخ بين قيادات الجالية وعوامها، ويدمر رأس المال الاجتماعي الأهم: الثقة. كما يقدم ذريعة سهلة للمتطرفين والاستغلاليين لتعميم الصورة ووصم كل الممارسات الدينية بالزيف.
· قانونيًا: هو تقويض صارخ لقوانين الصحة العامة والسلامة الغذائية، يشير إلى فشل الرقابة الرسمية في الوصول إلى هذا الاقتصاد الخفي.

السؤال الجوهري إذن ليس “من أين نأكل؟”، بل: كيف وصلنا إلى حالة أصبح فيها رجل الدين، رمز الأمانة، طرفًا في شبكة تسميم جماعي؟ كيف تُرك هذا الحقل الحيوي – طعام الناس ودينهم – فريسة للسوق السوداء؟ الفضحية ليست في وجود لحوم غير حلال، فهذه معروفة ومتوقعة في أي مجتمع. الفضحية الحقيقية هي في وجود “صناع حلال مزيف” يبيعون الوهم ويستغلون الإيمان، ويقيمون جريمتهم تحت سقف المساجد وبواسطة أختام تُحمل اسم الله. إنها صناعة للكذب مُغلفة بغلاف التقوى، وهي أخطر بكثير من مجرد غش تجاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!