هل بدأت السعودية البحث عن طريق مستقل عبر طهران؟

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز

هذه أخبار عاجلة بالغة الأهمية، وأريدكم أن تستمعوا بعناية؛ لأن ما حدث في المملكة العربية السعودية هذا الأسبوع ليس كما تصوّره العناوين. إنّه أكبر من ذلك، وأكثر هدوءًا، وأبعد أثرًا من الناحية الاستراتيجية. ابقوا معي، فبحلول نهاية هذا المقال سترون الخريطة الكامنة وراء الأخبار.
وفقًا لما أوردته صحيفتا “التلغراف” و”سكاي نيوز”، تعرّض خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، وهو شريان يبلغ طوله ألفًا ومئتي كيلومتر ويمكنه نقل نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، لهجوم هذا الأسبوع، ومن المتوقع أن يظل متوقفًا إلى حدّ كبير لعدة أسابيع. وقد ارتفع سعر خام برنت إلى أكثر من مئة وسبعة دولارات للبرميل. وقالت الحكومة العراقية إن الطائرات المسيّرة يبدو أنها أُطلقت من الأراضي العراقية، وقد نفت إيران تورّطها. تلك هي الحقائق.
والآن، إليكم الجزء الذي يكاد لا يشرحه أحد. أُنشئ خط الأنابيب هذا لسبب واحد، هو تجاوز مضيق هرمز. لقد كان بمثابة وثيقة تأمين للمملكة العربية السعودية. كان خطتها البديلة، وهذا الأسبوع تعطّلت الخطة البديلة، ما يعني أن أحد أهم ممرات الطاقة في العالم أصبح، للمرة الأولى منذ سنوات، يعاني ثغرة، وقد شعر سعر النفط العالمي بذلك خلال ساعات.
لكن حتى هذا ليس جوهر القصة. جوهر القصة هو ما يحدث بهدوء خلف الكواليس. وفقًا لتقارير نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال”، تحث دول الخليج، ومنها المملكة العربية السعودية، واشنطن على التراجع عن أي ضربة عسكرية أوسع نطاقًا ضد إيران، لا لأنها تحب طهران، بل لأنها تدرك أمرًا غاب عن النقاش العام. وبمجرد أن تفهموا ماهية ذلك الأمر، ستبدو خريطة الشرق الأوسط بأكملها مختلفة.
يطلق المحللون على هذه الحالة اسم “مشكلة التحالف المعكوس”. وهي تسير على النحو الآتي : طوال ثمانين عامًا، كانت المعادلة بسيطة؛ أمريكا تحمي نفط الخليج، ونفط الخليج يمول الاقتصاد العالمي. معادلة واضحة ويمكن التنبؤ بها. لكن في عام 2026، يبدو أن هذه المعادلة قد انقلبت؛ فكلما اقتربت أمريكا من مواجهة مباشرة، أصبحت البنية التحتية السعودية أكثر عرضة للخطر : مصافيها، وموانئها، وشبكات الكهرباء فيها، ومحطات تحلية المياه؛ أي الآلات التي تحوّل مياه البحر إلى مياه شرب لملايين الناس.
وهكذا أصبحت الدولة التي كانت تطلب الحماية من أمريكا تطلب منها الآن، وفقًا لتقارير متعددة، أن تتحلى بضبط النفس. فلننظر إلى الأرقام؛ لأن الأرقام تكشف القصة الحقيقية : سبعة ملايين برميل يوميًا؛ تلك هي الطاقة المعلنة لخط الأنابيب. ومن ثلاثة إلى خمسة أسابيع؛ تلك هي المدة المعلنة لإصلاحه. ومئة وسبعة دولارات؛ ذلك هو السعر الذي ارتفع إليه خام برنت. وأكثر من مئة سفينة؛ ذلك هو عدد السفن التي تقول القيادة المركزية الأمريكية إنها أعادت توجيهها قرب مضيق هرمز. وصفر؛ ذلك هو عدد الضربات واسعة النطاق التي أعلنت المملكة العربية السعودية شنّها علنًا ردًّا على الهجوم.
أعيدوا قراءة الرقم الأخير : صفر. ذلك الصمت ليس ضعفًا؛ ذلك الصمت رسالة. وإليكم سبب أهمية هذا الصمت : في الصراعات الحديثة، يكون الطرف صاحب البنية التحتية الأعلى كلفة هو الأكثر خسارة. فقد تكلّف الطائرة المسيّرة بضعة آلاف من الدولارات، بينما تكلّف المصفاة مليارات الدولارات. وقد أصبح هذا التفاوت، أي مهاجم رخيص وهدف باهظ الكلفة، المعادلة الحاسمة التي تحدد شكل هذه المنطقة. ويحذّر المحللون من أننا إذا واصلنا رؤية هذا النمط، فقد نكون أمام إعادة صياغة بطيئة لطريقة عمل الردع في الخليج؛ ليس عبر الجيوش ولا الأساطيل، بل عبر هشاشة خط أنابيب واحد.
والآن اسألوا أنفسكم : لماذا هذا الخط؟ ولماذا هذا الأسبوع؟ أفادت “التلغراف” و”سكاي نيوز” و “الجزيرة” بأن اجتماعًا كان مقررًا بين إيران ودول الخليج بشأن مضيق هرمز أُرجئ قبل الهجوم بأيام قليلة. ثم وقع الهجوم. كانت أسعار النفط قد بدأت تستقر، وكانت الدبلوماسية، على الأقل ظاهريًا، تمضي قدمًا. ثم جاءت ضربة واحدة، استهدفت خط أنابيب واحدًا، فتغيّر الجدول الدبلوماسي بأكمله. قد يكون هذا التوقيت محض مصادفة، وقد يكون هو المقصود.
قد تفكرون قائلين : هذه قصة من قصص الشرق الأوسط. لماذا ينبغي أن أهتم بها؟ إليكم السبب : عندما يتجاوز خام برنت مئة دولار، لا يبقى الأمر في الرياض، بل يظهر في محطة الوقود التي تزوّدون فيها سياراتكم، وفي فاتورة الكهرباء، وفي تكلفة الطعام على رفوف متاجركم؛ لأن الشاحنات والسفن والأسمدة كلها تعتمد على النفط نفسه. ويقدّر المحللون أن كل ارتفاع قدره عشرة دولارات في سعر الخام قد يضيف ضغطًا ملموسًا على التضخم العالمي. ولذلك قد يكون خط الأنابيب هذا، الذي لم يكن معظم الناس قد سمعوا به قبل أسبوع، مؤثرًا بهدوء في فاتورة مشترياتكم من البقالة الشهر المقبل.
وتواجه المملكة العربية السعودية الآن ما يسمّيه الاستراتيجيون “نافذة خيارات آخذة في التضيق”. الخيار الأول : الردّ بالمثل والمخاطرة باندلاع حرب أوسع على أراضيها. الخيار الثاني : زيادة الضغط على واشنطن والظهور بمظهر الدولة التابعة. الخيار الثالث : فتح قناة هادئة مع طهران، الأمر الذي قد يربك حلفاءها الغربيين. لا شيء من هذه الخيارات مريح، وكلّها تنطوي على كلفة. وهذا ما يجعل هذه اللحظة حساسة حقًا؛ فالأمر لا يتعلق بمشهد تلفزيوني درامي، بل بضغط بنيوي حقيقي على واحد من أهم اقتصادات العالم.
فلنبتعد قليلًا وننظر إلى الصورة الأوسع. فقد وسّع الحوثيون، وفقًا لتقارير “رويترز” ووكالة “أسوشيتد برس”، عملياتهم عبر جنوب البحر الأحمر. ولا يزال مضيق هرمز موضع نزاع، ويجري جرّ العراق إلى الصراع من جهة الشمال. أما المملكة العربية السعودية، الواقعة في قلب كل ذلك، فتحاول الحفاظ على موقع لم يسبق لها أن اضطرت إلى الحفاظ عليه. هذا ليس مجرد عنوان في نشرة الأخبار، بل هو تحوّل.
فما الذي سيحدث بعد ذلك؟ رسميًا، لا أحد يعرف. لكن المحللين يراقبون ثلاثة أمور : أولًا، ما إذا كان الجدول الزمني لإصلاح خط الأنابيب سيبقى قائمًا أم سيتأخر. ثانيًا، ما إذا كانت واشنطن ستختار الضغط أم الصبر. وثالثًا، ما إذا كان صمت المملكة العربية السعودية سيستمر أم ينكسر. وقد يؤثر أيّ واحد من هذه الأمور الثلاثة في مسار الفصل المقبل من هذه القصة. أما تحرّكها جميعًا في الوقت نفسه، فسيخبرنا بأن أمرًا أكبر بكثير يجري.
لأن أعمق سؤال هنا ليس سؤالًا عسكريًا، بل هو سؤال بنيوي. فعلى مدى ثمانية عقود، قام الخليج على افتراض واحد : أن القوة الأمريكية تجعل النفط آمنًا. وقد طرح هذا الأسبوع سؤالًا أكثر هدوءًا : ماذا يحدث عندما لا يعود النفط آمنًا، ولا تعود المظلة الأمنية مؤكدة؟ لا تجيب العناوين عن هذا السؤال، بل تأتي الإجابة ببطء، في خطوط الأنابيب، وفي الأسعار، وفي الاجتماعات المؤجلة، وفي صمت القادة الذين اعتادوا أن يتحدثوا أولًا.
ولذلك أترككم مع هذا السؤال، وأريد حقًا أن أعرف إجابتكم في التعليقات : هل تعتقدون أن على المملكة العربية السعودية أن تواصل مطالبة واشنطن بضبط النفس، أم أن عليها أن تبدأ في بناء مسارها الخاص، حتى لو مرّ ذلك المسار عبر طهران؟ اكتبوا في الأسفل : “ضبط النفس”، أو “التصعيد”، أو “المسار المستقل”. أقرأ كل تعليق. وتابعوني؛ لأن الساعات الاثنتين والسبعين المقبلة في هذه القصة قد تكون أهم من الأيام السبعة الماضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!