خطير : بنسليمان تغرق في الأزبال…فهل تحوّل تدبير النظافة إلى امتياز بلا محاسبة في مدينة السيبة؟

انتشار الازبال في مدينة السيبة بنسليمان
انتشار الازبال في مدينة السيبة بنسليمان

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

لم تعد أزمة النظافة بمدينة “السيبة” بنسليمان مجرد مظهر عابر أو خلل محدود يمكن تبريره بضغط العمل أو ظرف استثنائي. فالمدينة، بحسب ما عاينته عدسة موطني نيوز يوم الخميس 3 شتنبر الجاري، تبدو وكأنها تُترك لمصيرها وسط تراكمات كبيرة من النفايات وانتشار للأزبال في عدد من النقاط، في مشهد يسيء إلى صورة المدينة ويعمّق شعور السكان بأن تدبير هذا المرفق الحيوي يتم بمنطق الارتجال لا بمنطق المسؤولية والنجاعة.

المفارقة الصادمة أن هذا الوضع يأتي في ظل حديث عن غلاف مالي يناهز 800 مليون سنتيم ولمدة محدودة لن تتجاوز ستة أشهر، مخصص للشركة المفوض إليها تدبير قطاع النظافة. وهو مبلغ، أياً كانت تفاصيله المحاسبية أو طبيعة بنوده، يفترض أن ينعكس على نظافة الشوارع، وانتظام عمليات الجمع، وتوفير الآليات والموارد البشرية الضرورية. غير أن الواقع الذي يراه المواطن يومياً يقول شيئاً آخر تماماً : أزبال متراكمة، عمال لا يظهرون بالعدد الكافي، ووسائل لوجستيكية تبدو عاجزة عن مواكبة حاجيات مدينة بأكملها والتقدم التكنلوجي وبمعنى اصح ادوات بدائية جدا.

انتشار الازبال في مدينة السيبة بنسليمان
انتشار الازبال في مدينة السيبة بنسليمان

والأكثر إثارة للاستغراب أن جمع النفايات وسط المدينة، وفق ما تم رصده، جرى بالاستعانة بجرافة، بينما تتكرر أمام أعين السكان الشاحنة نفسها، وكأن تدبير قطاع النظافة قائم على حل ترقيعي دائم لا على منظومة مهنية متكاملة. فهل يعقل أن يُدار مرفق بهذا الحجم بهذه الوسائل المحدودة؟ وهل أصبحت الجرافة بديلاً عن أسطول مخصص لجمع النفايات، وأصبح الاعتماد على شاحنة واحدة كافياً لتغطية مدينة تنتج يومياً كميات مهمة من النفايات المنزلية؟

إن المشكل لا يتوقف عند سوء المشهد العام، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال جوهري يتعلق بمدى احترام الشركة المفوض لها تدبير القطاع لالتزاماتها التعاقدية. فالشركة التي لا تتوفر، بحسب المعاينات المتداولة، على آليات كافية ولا على مستودع واضح ولا على الوسائل التي تؤهلها فعلياً لتنفيذ هذه المهمة، كيف حصلت على التفويض؟ وكيف جرى تمديد عقدها أو الإبقاء عليها رغم توالي مظاهر الاختلال؟ وهل خضعت شروط التمديد لتقييم جدي وشفاف يقيس جودة الخدمة، أم أن الأمر مرّ في صمت إداري وتحت غطاء الجماعة لا يراعي سوى استمرار الوضع القائم والمصلحة الشخصية؟

انتشار الازبال في مدينة السيبة بنسليمان
انتشار الازبال في مدينة السيبة بنسليمان

هذه الأسئلة ليست ترفاً صحفياً ولا محاولة لتصفية حسابات مع جهة بعينها، بل هي أسئلة مشروعة يطرحها سكان يؤدون ما عليهم من واجبات وينتظرون في المقابل خدمة عمومية تحترم كرامتهم وحقهم في بيئة سليمة. أما الصمت أمام هذا الوضع، أو الاكتفاء بتبريرات موسمية، فلن يؤدي إلا إلى تكريس الانطباع بأن هناك من يفضل حماية الوضع القائم على حماية المدينة والحصيلة طبعا مفهومة.

والأخطر من تراكم النفايات هو تراكم الأسئلة دون أجوبة. من يتحمل مسؤولية مراقبة تنفيذ عقد التدبير المفوض؟ من يقيّم أداء الشركة؟ ما طبيعة الجزاءات التي تم تفعيلها عند تسجيل التقصير؟ وهل تم احتساب الاقتطاعات أو تطبيق التدابير المنصوص عليها تعاقدياً عند عدم احترام الالتزامات؟ ثم أين هي التقارير التي تبرر استمرار صرف الأموال العمومية مقابل خدمة لا تبدو، في نظر السكان، في مستوى التوقعات؟

انتشار الازبال في مدينة السيبة بنسليمان
انتشار الازبال في مدينة السيبة بنسليمان

لا يمكن أن تتحول مدينة بنسليمان إلى ورش مفتوح للتجارب الفاشلة، ولا أن يبقى المواطن رهينة شركة تفتقر إلى أبسط الوسائل أو إدارة تكتفي بالمراقبة عن بعد. النظافة ليست منّة تقدمها الشركة، وليست امتيازاً يمنحه المجلس الجماعي، بل خدمة عمومية ممولة من المال العام، ويحق للسكان أن يطالبوا بشأنها بالوضوح والمردودية والمحاسبة.

لقد آن الأوان لفتح افتحاص جدي وشفاف في طريقة تدبير هذا القطاع، ونشر المعطيات المرتبطة بالعقد، ومدة التفويض، وشروط التمديد، والوسائل المفترض توفيرها، وحجم الالتزامات المنجزة فعلياً. كما أن من حق الشركة المعنية، إن كانت ترى أن ما ورد لا يعكس الحقيقة أو يتضمن معطيات غير دقيقة، أن تقدم توضيحاتها للرأي العام، تماماً كما أن من واجب الجهات المسؤولة أن تخرج من دائرة الصمت وأن تكشف للسكان أين تُصرف الأموال، ولماذا لا تُترجم إلى مدينة نظيفة.

أما الاستمرار في التعامل مع النفايات بمنطق الجرافة والشاحنة الوحيدة، ومعاناة الأحياء من تراكم الأزبال، فليس تدبيراً للأزمة، بل تأجيل لانفجارها. وبنسليمان لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، وإنما إلى خدمة نظافة حقيقية، ومراقبة فعلية، ومسؤولية لا تختبئ خلف الصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!