
المصطفى الجوي – موطني نيوز
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، عاد إلى الواجهة نقاش سياسي ودستوري بالغ الحساسية، بعد تداول أخبار وتكهنات بشأن هوية رئيس الحكومة المقبل، قبل أن يقول الناخب المغربي كلمته عبر صناديق الاقتراع. وبين ما هو إشاعة، وما هو تسريب، وما هو خطاب سياسي، يظل السؤال الأهم : ماذا يعني أن يُحسم اسم رئيس الحكومة بعينه قبل أن تُحسم نتائج الانتخابات؟
ففي أي نظام ديمقراطي، لا تقتصر الانتخابات على اختيار ممثلين داخل البرلمان، بل تشكل الآلية الأساسية التي تمنح الشرعية السياسية لمن يتولى قيادة السلطة التنفيذية. وفي المغرب، جاء دستور 2011 ليكرس هذا المنطق من خلال الفصل 47، الذي ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. وبذلك، أصبحت صناديق الاقتراع هي الحلقة الفاصلة بين الإرادة الشعبية وتشكيل الحكومة.
لهذا، فإن أي حديث عن رئيس حكومة “جاهز” قبل الانتخابات، سواء كان مبنيًا على تسريبات أو قراءات أو رسائل سياسية، لا يمكن أن يمر مرور الكرام. فهو يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، تتجاوز الأشخاص إلى جوهر العملية الديمقراطية نفسها.
سياسيًا، قد يكون الأمر مجرد محاولة من بعض الفاعلين للتأثير في المزاج الانتخابي، عبر خلق انطباع بأن المنافسة قد حُسمت مسبقًا، وهو أسلوب معروف في علم الاتصال السياسي، حيث يُستخدم الإيحاء بـ”حتمية الفوز” لدفع الناخبين الضعفاء والعارضين أصواتهم للبيع إلى الاصطفاف مع الطرف الذي يبدو الأقرب إلى السلطة. وفي المقابل، قد يكون مجرد تضخيم إعلامي لتصريحات أو قراءات لا تحمل أي قيمة دستورية أو قانونية. وفي كلتا الحالتين هذا تصرف مرفرض.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في صحة هذه الأخبار من عدمها، وإنما في أثرها على ثقة المواطن. فعندما يقتنع الناخب بأن هوية رئيس الحكومة معروفة سلفًا وأن جهات عليا هي من تريده على رأس حكومة المونديال، فإن السؤال الذي قد يطرحه سيكون بسيطًا ومقلقًا في آن واحد : إذا كانت النتيجة محسومة، فلماذا نصوت؟ وما الغرض من الإنتخابات أصلا؟.
إن الديمقراطية لا تعيش فقط بالنصوص الدستورية، بل أيضًا بالثقة. والثقة تُبنى عندما يشعر المواطن بأن صوته هو الذي يصنع الفارق، وأن نتائج الاقتراع هي التي تحدد موازين السلطة. أما إذا ترسخ الانطباع لدى المواطن المغربي بأن القرارات الكبرى تُحسم خارج صناديق الاقتراع، فإن أول الخاسرين سيكون منسوب المشاركة السياسية، وثقة المواطنين في المؤسسات، ومصداقية العملية الانتخابية برمتها. وهيبة الدولة أمام العالم.
ومن زاوية أخرى، ينبغي التمييز بين إعلان حزب سياسي عن مرشحه لرئاسة الحكومة وبين الإعلان عن رئيس حكومة باعتباره أمرًا محسومًا. فالأول ممارسة سياسية طبيعية تمنح الناخب وضوحًا بشأن البرنامج والشخصية التي سيقودها الحزب إذا فاز. أما الثاني، إذا قُدم باعتباره حقيقة نهائية قبل معرفة الحزب المتصدر، فإنه يثير تساؤلات دستورية وسياسية مشروعة، لأنه يبدو وكأنه يسبق الإرادة الشعبية بدل أن يستند إليها. وبالتالي على الدولة أن تتفادى هذا اللغط بمنع كل من اعلن اسمه قبل الموعد المحدد من الترشح.
كما أن التجارب الديمقراطية أثبتت أن الانتخابات كثيرًا ما تفاجئ الجميع. استطلاعات الرأي قد تخطئ، والتحالفات قد تتغير، والأحزاب قد تصعد أو تتراجع في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية. لذلك، فإن التعامل مع أي اسم باعتباره رئيس الحكومة المقبل ك”لقجع” قبل اكتمال المسار الانتخابي يظل أقرب إلى الرهان السياسي منه إلى الحقيقة الدستورية.
وفي السياق المغربي، حيث يشكل تعزيز الثقة في المؤسسات التي فقدها المواطن، أحد أبرز رهانات الإصلاح السياسي، ليصبح الحفاظ على وضوح قواعد اللعبة الديمقراطية ضرورة وطنية. فالمطلوب ليس فقط تنظيم انتخابات نزيهة، وإنما أيضًا حماية صورتها في الوعي العام، حتى لا تتحول الشائعات أو الرسائل السياسية إلى عامل يضعف ثقة المواطن في قيمة صوته اذا ما تحققت ولو بالصدفة!!!.
إن الانتخابات ليست مجرد محطة إجرائية، بل هي عقد ثقة بين الدولة والمواطن. وأول شروط هذا العقد أن يظل القرار النهائي بيد الناخب، لا بيد التكهنات، ولا التسريبات، ولا الانطباعات المسبقة.
ويبقى المبدأ الذي ينبغي أن يحكم كل نقاش سياسي واضحًا : رئيس الحكومة لا ينبغي أن يُعرف قبل أن تتحدث صناديق الاقتراع، لأن احترام إرادة الناخب هو الأساس الذي تُبنى عليه شرعية المؤسسات واستقرار الدولة.
ولا كنت باغين “لقجع” مول الميزانية يكون الصدر الأعظم غير قولوها لينا..وهانيا.