الناخب المغربي ليس حماراً

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز

أقولها بوضوح، وأنا أتحدث عن الناخب المغربي تحديداً : الديمقراطية لا تُختزل في وضع ورقة داخل صندوق، كما أن الانتخابات لا تتحول تلقائياً إلى وسيلة لبناء دولة عادلة لمجرد أنها جرت في موعدها. حين يصوت الناخب من دون وعي، ومن دون قدرة على التمييز بين البرنامج والوهم، وبين المصلحة العامة والوعود الانتخابية، فإنه لا يختار فقط ممثلاً في مؤسسة سياسية، بل يساهم، عن قصد أو عن غير قصد، في تحديد مستقبل بلده ومستقبل أبنائه.

لقد أصبح من السهل أن نرى الناخب المغربي محاطاً بالشعارات، والصور، والخطابات العاطفية، والوعود التي لا تصمد أمام أول اختبار. وأصبح من السهل أيضاً أن تتحول الحملة الانتخابية إلى سوق للمشاعر والمصالح الضيقة، حيث لا يفوز بالضرورة من يملك مشروعاً واضحاً، بل من يحسن استثمار الخوف أو الحاجة أو الانتماء أو الغضب. لذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط : لمن سيصوت المغربي؟ بل : على أي أساس سيصوت؟ وهل يملك فعلاً المعلومات الكافية التي تمكنه من اتخاذ قرار مسؤول؟

لا أقصد بإثارة هذا السؤال إهانة المواطن المغربي أو التشكيك في ذكائه. على العكس، أنا أرفض وصف الناخبين بالحمير أو الجهلة، لأن هذا الخطاب لا يخدم الديمقراطية، بل يكشف عن نظرة متعالية إلى الشعب. المواطن الذي يختلف في اختياره ليس بالضرورة غبياً، والناخب الذي يختار مرشحاً لا يعجبني لا يفقد حقه في التفكير أو الاختيار. لكن رفض إهانة الناخب لا يعني أن نتجاهل واقعاً مؤلماً، فجزء من الناخبين يصوتون تحت تأثير الإشاعة، أو القرابة، أو الولاء العائلي، أو الوعد الشخصي، أو الضغط الاجتماعي، أو الحاجة الاقتصادية، من دون أن يسألوا عن حصيلة المرشح أو برنامجه أو قدرته على الوفاء بما يعد به.

هنا تحديداً تظهر مسؤولية الناخب المغربي، ولكنها لا تظهر وحده في المشهد. فإذا كان المواطن مطالباً بأن يكون واعياً، فأين هي المدرسة التي تربيه على المواطنة؟ وأين هو الإعلام الذي يضع البرامج والوعود تحت المجهر؟ وأين هي الأحزاب التي تقدم تصورات قابلة للنقاش بدل الاكتفاء بالشعارات؟ وأين هي الآليات التي تسمح بمحاسبة المنتخب بعد انتهاء الحملة وانغلاق الصناديق؟ لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يكون مثالياً، ثم نتركه أمام حملات تقوم على الصورة والانفعال والوعود الفضفاضة، ونحمّله وحده مسؤولية النتائج.

في المغرب، لا يتعلق التصويت باختيار أسماء عابرة، لأن أعضاء مجلس النواب ينتخبون بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات، ولأن البرلمان يمارس وظائف التشريع ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية وفق الإطار الدستوري

1. وهذا يعني أن الورقة التي يضعها الناخب في الصندوق يمكن أن تؤثر في القوانين والميزانيات والسياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تمس حياته اليومية. لذلك فإن التصويت ليس مناسبة موسمية، ولا مجاملة لمرشح أو قريب، ولا وسيلة للحصول على منفعة شخصية مؤقتة؛ إنه مسؤولية سياسية كاملة.

لقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات المغربية لسنة 2021 نحو 50.18 في المئة، مقابل 43 في المئة في انتخابات 2016، وفق ما نقلته تقارير صحفية عن وزارة الداخلية المغربية

2. هذه الأرقام لا تسمح لنا بإطلاق حكم مبسط على وعي المغاربة، لكنها تفرض علينا أن نسأل لماذا يشارك نصف المسجلين تقريباً، ولماذا يعزف الآخرون؟ هل المشكلة في الجهل وحده؟ أم في أزمة الثقة؟ أم في اعتقاد شائع بأن الانتخابات لا تغير بما يكفي من الواقع؟ أم في إحساس لدى فئات واسعة بأن صوتها لا يتحول إلى نفوذ فعلي بعد انتهاء يوم الاقتراع؟

أنا لا أعتقد أن مقاطعة الانتخابات دليل تلقائي على الوعي، كما لا أعتقد أن المشاركة دليل تلقائي على الوعي. فقد يصوت شخص لأنه مقتنع ببرنامج، وقد يصوت آخر لأنه تلقى وعداً شخصياً، وقد يقاطع ثالث لأنه فقد الثقة في قدرة المؤسسات على التغيير. لذلك لا ينبغي أن نقيس الديمقراطية بعدد الأوراق داخل الصناديق فقط، بل بمدى نزاهة المنافسة، ووضوح البرامج، وتكافؤ الفرص، وشفافية التمويل، وحرية النقاش، وقدرة المواطن على محاسبة من انتخبه.

أرفض بشدة الفكرة التي تقول إن المساواة في الأصوات داخل مجتمع يعاني من ضعف التعليم هي طريق إلى الفوضى. فمن يملك الحق في تحديد من هو الواعي ومن هو الجاهل؟ هل ستكون الشهادة الدراسية هي المعيار؟ أم اختباراً في الاقتصاد والقانون؟ ومن سيضع هذا الاختبار؟ إن مثل هذه الفكرة قد تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها تقود عملياً إلى نظام سياسي تملك فيه فئة محدودة حق تقرير من يستحق المشاركة ومن لا يستحقها. وستكون النتيجة إقصاء الفقراء وسكان المناطق المهمشة والأشخاص الذين حُرموا من تعليم جيد، مع أن حرمانهم من التعليم ليس ذنباً فردياً دائماً، بل نتيجة لاختلالات اجتماعية وسياسات عمومية متراكمة.

المساواة في التصويت لا تعني أن جميع المواطنين متساوون في المعرفة أو الخبرة، وإنما تعني أنهم متساوون في الكرامة والحق السياسي. أما تفاوت المعرفة، فلا يعالج بسحب حق التصويت، بل بإصلاح المدرسة، وتقوية الإعلام العمومي والمهني، ونشر التربية المدنية، وإجبار الأحزاب على تقديم برامج قابلة للقياس، وتمكين المواطن من الوصول إلى المعلومات التي تساعده على الاختيار.

إن الناخب المغربي يتحمل مسؤولية كبيرة، لكن المسؤولية يجب أن تكون موزعة. الناخب مسؤول عندما يبيع صوته أو يختار على أساس الإشاعة أو القرابة فقط، والمرشح مسؤول عندما يقدم وعوداً يعلم مسبقاً أنه لن ينفذها، والحزب مسؤول عندما يستبدل الكفاءة بالولاء، والإعلام مسؤول عندما يكتفي بتغطية المهرجانات والخطابات من دون مساءلة، والمؤسسات مسؤولة عندما لا توفر شروط المنافسة النزيهة والمحاسبة الفعالة. أما تحميل المواطن وحده مسؤولية الفشل، فهو أسهل طريق لإعفاء بقية الأطراف من المساءلة.

أنا لا أريد ناخباً مغربياً خائفاً من أن يوصف بالجهل لأنه اختار مرشحاً معيناً، ولا أريد نخبة تتحدث باسم الوعي بينما تنظر إلى عموم المواطنين باعتبارهم كتلة قابلة للتوجيه. ما أريده هو ناخب يسأل قبل أن يصوت: ماذا قدم هذا المرشح؟ ما صلاحيات المؤسسة التي يترشح لها؟ ما مصادر وعوده؟ كيف يمكن محاسبته؟ وما الذي تغير في حياة الناس خلال الولاية السابقة؟

الوعي، في نظري، ليس شرطاً لإسقاط حق المواطن في التصويت، بل وسيلة لتحريره من التلاعب. وهو ليس امتيازاً تمنحه النخبة للجمهور، بل حق يجب أن توفره المدرسة والإعلام والأحزاب والمؤسسات. ومن يريد مغرباً ديمقراطياً فعليه ألا يكتفي بمطالبة الناخب بالوعي، بل عليه أن يساهم في إنتاج هذا الوعي، وأن يقبل بنتائجه عندما يتحول إلى أسئلة ومطالب ومحاسبة.

المشكلة ليست أن الناخب المغربي يصوت، بل أن بعض الفاعلين السياسيين يريدون صوته يوم الاقتراع ولا يريدون وعيه بعد ذلك. يريدون منه أن يصدق الوعد، لكنهم لا يريدون منه أن يسأل عن التنفيذ. يريدون حضوره أمام الصندوق، لكنهم لا يريدون حضوره في النقاش العمومي. يريدون أصواته، لا مواطنته الكاملة.

لهذا أقول إن “الوعي أولاً” شعار صحيح إذا كان المقصود به تمكين الناخب المغربي من المعرفة والاختيار الحر، لكنه يصبح شعاراً خطيراً إذا استُعمل لإهانة الناس أو لتبرير الوصاية عليهم. الديمقراطية لا تحتاج إلى مواطنين مثاليين، بل إلى مواطنين متساوين في الحقوق، وإلى مؤسسات شفافة، وأحزاب مسؤولة، وإعلام قادر على كشف التناقض بين الخطاب والممارسة. أما صندوق الاقتراع، فلا يكون أداة للفوضى بسبب جهل المواطن وحده؛ يتحول إلى أداة للفوضى عندما يغيب الوعي، وتغيب المحاسبة، وتتحول السياسة إلى سوق للوعود والمصالح.

إن مستقبل المغرب لا يقرره الناخب المغربي وحده، لكنه يبدأ من قراره. ولذلك فإن عليه أن يدرك أن صوته ليس سلعة ولا مجاملة ولا ورقة عابرة، وأن عليه، قبل أن يمنح صوته، أن يطالب بحقه في المعلومة والكرامة والوضوح. وفي المقابل، على الدولة والأحزاب والمؤسسات أن تتوقف عن التعامل معه كرقم انتخابي، وأن تعترف به مواطناً كامل الحقوق، كامل الأهلية، وقادراً على الاختيار والمحاسبة.

لكن في النهاية وفي ظل ما يحدث في البلاد، سأقول كما قال المرحوم محمد الحياني في رائعته “راحلة” : لمن سأغني؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!