حكم رضاعة الكبير من حليب الدولة

الأستاذ محمد كفيل
الأستاذ محمد كفيل

بقلم ذ محمد كفيل – موطني نيوز

اليوم يتخاصم الأخوان في الرضاعة: البام والأحرار، لا على الحليب هذه المرة، وإنما على المناصب، وعلى هجرة الأدمغة…عفواً، هجرة الكائنات الانتخابية.

ولعل «الرضاعة» هنا ليست مجازاً عابراً، بل هي لبّ الحكاية كلها؛ فقد كان الحزبان، طوال هذه الولاية، كالأخوين في الرضاعة، يجلسان إلى المائدة نفسها، ويتقاسمان الوعاء نفسه، ويرتويان من ثدي الدولة نفسه، فيما المواطن هو الذي بقي واقفاً في الطابور ينتظر نصيبه من الحليب.

رضاعةٌ سياسية طويلة، لم يكن فيها خلاف على الوعاء ولا على مصدر الحليب، ولا على من يأخذ نصيبه أولاً؛ فقد جمعتهما الحكومة، وجمعتهما المناصب، وجمعتهما القرارات، وتقاسما معاً ما استطاعا من مالية الدولة، بينما كان المواطن، صاحب المال الأصلي، مطالباً بالصبر والتحمل، وكأن نصيبه من هذه الرضاعة أن يدفع الفاتورة فقط.

لكن ما إن اقترب موسم الانتخابات، حتى يبدو أن الأخوين تذكّرا فجأة أنهما ليسا أخوين!

بدأ كل واحد منهما يبحث عن حليبه الخاص، وعن مائدته الخاصة، وعن ذاكرة سياسية جديدة، وبدأت المناوشات، وتبادل الاتهامات، ورمي المسؤوليات، وكأن ما جمعهما بالأمس لم يكن حكومة واحدة، ولا تدبيراً واحداً، ولا قرارات مشتركة، ولا تقاسماً للمغانم السياسية.

وهنا تصبح «رضاعة الكبير» أكثر من عنوان؛ إنها حكاية مرحلة سياسية كاملة: أخوان في الرضاعة حين تكون المناصب والمصالح على الطاولة، وخصمان في الانتخابات حين تصبح أصوات المغاربة هي المطلوب تحصيلها.

هجرةٌ معكوسة هذه المرة؛ فبعدما شهدنا في الموسم السابق رحلةً جماعية نحو حزب المال والأعمال، ها هي الطيور المهاجرة تعود اليوم إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وكأن السياسة عندنا أصبحت موسماً للهجرة، تتغير فيه الوجهة كلما تغيرت المراعي.

وسمعنا شكوى الطالبي العلمي، وهو واحد من سدنة معبد حزب الأحرار، ولا شك أن الذي سرّب له أمس التسجيل الصوتي، وهو يسب إخوانه في الحزب الآخر، وشركاءه في الحكومة إلى حد الساعة، والذين أكلوا في وعاء واحد من المال العام وشركوا الملح والطعام، كما يقول المغاربة، لم يكن يريد له خيراً.

العلمي يشتكي، والمغرب يسمع تحاورهما.

لكنه نسي، أو أراد أن ينسى، أنه بالأمس القريب كان يقوم بالفعل نفسه؛ يوم كانت الهجرة في الاتجاه الآخر، ويوم كان القادمون من الحزب الآخر يُستقبلون وكأنهم اكتشاف سياسي جديد، لا كائنات انتخابية غيّرت فقط لون القميص.

أما اليوم، فعليه أن يعلم أن الذي أخرج تسجيله من حُرمة اجتماع المكتب السياسي لا يريد به خيراً، ولا بحزبه.

وأن الذي أوحى إلى القجع ما أوحى، فانخرط في حزب المحراث، وقال له: «لا تخف»، ثم قال له: «اضمم يدك إلى جنبك تخرج زرقاء»، لم يكن يجهل ما يفعل.

لقد كان يعلم.

ويبدو أن في السياسة من يقرأ الآيات بقدر ما يقرأ اتجاهات الريح.

وليس المهم اليوم أن يكون عندنا رئيس حكومة لأنه من حزب عتيد، أو لأنه ذو عقل لبيب؛ يكفي أن يثق فيه عالي المقام.

أما اليوم، أسي الطالبي العلمي، فعليك أن تعلم أن عالي المقام لم يعد يثق فيكم.

لقد كلّفتموه ماء الوجه بما فعلتم في حكومتكم، ولا شك أنك تعرف ما فعلت.

ولذلك، ربما كان أفضل ما بقي لك أن تشكر الله على نعمة واحدة: أن المغاربة، إلى حدود الساعة، لم يستعملوا معك الحجر.

أما أنت، فقد قلتها بنفسك يوماً، وبقيت العبارة معلقة في ذاكرة المغاربة:

«إن لم أحقق ما وعدت به فارجموني».

وها نحن اليوم أمام السؤال نفسه:

ماذا لو كان وقت الرحمة قد انتهى، وبدأ وقت الحساب؟

فـرضاعة الكبير لا تمنع الأخوين من الخصام، لكنها تجعل السؤال أكثر إزعاجاً:

إذا كانا قد شربا من الوعاء نفسه، وأكلا من الطبق نفسه، وتقاسما الملح والطعام، واستفادا معاً من تدبير الدولة، فمن الذي قرر فجأة أن أحدهما صار أخاً في الرضاعة، والآخر صار خصماً في الانتخابات؟

أم أن الرضاعة تنتهي عند صناديق الاقتراع، ويبدأ الفطام السياسي؟

الأستاذ كفيل محمد الأمين العام للنهضة والفضيلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!