حين تسبق الحكومة الانتخابات

الاستاذ كفيل محمد الامين العام لحزب النهضة والفضيلة
الاستاذ كفيل محمد الامين العام لحزب النهضة والفضيلة

بقلم ذ محمد كفيل – موطني نيوز 

ليست الديمقراطية مجرد موعد انتخابي، وليست صناديق الاقتراع صناديق تفتح كل خمس سنوات ثم تغلق. الديمقراطية، في جوهرها، هي الثقة. وحين تهتز الثقة، تصبح كل النتائج، مهما كانت قانونية، بحاجة إلى إقناع سياسي وأخلاقي.

لقد منع حزبنا من المشاركة في الانتخابات، ولا نزال إلى اليوم ننتظر تفسيرًا واضحًا ومقنعًا لهذا القرار. لسنا نطلب امتيازًا، ولا نبحث عن معاملة استثنائية، وإنما نطالب بحق يكفله الدستور، وبجواب يطمئن الرأي العام قبل أن يطمئننا نحن.

كنت، وما زلت، مؤمنًا بأن الإصلاح لا يكون إلا من داخل المؤسسات، وأن المشاركة السياسية ليست ترفًا، بل واجب وطني. وآمنت دائمًا بأن الديمقراطية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالاحتكام إلى إرادة المواطنين. لكن الإيمان بالديمقراطية يفترض، قبل كل شيء، الإيمان بأن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن صندوق الاقتراع هو الفيصل، لا التوقعات، ولا الكواليس، ولا السيناريوهات التي تُتداول قبل أن يقول الناخب كلمته.

ولذلك، فإن ما يثير القلق اليوم ليس تداول الأسماء في حد ذاته، فهذا أمر طبيعي في كل الديمقراطيات، وإنما أن تتحول بعض التوقعات إلى ما يشبه اليقين السياسي قبل أن تبدأ المنافسة أصلًا. وحين يترسخ لدى المواطن شعور بأن ملامح السلطة المقبلة قد رسمت سلفًا، فإن أول الخاسرين لن يكون حزبًا سياسيًا، بل ستكون الثقة في العملية الديمقراطية نفسها.

هذا ما أسميه “التحكم الناعم”؛ ذلك النوع من التحكم الذي لا يُلغى فيه الاقتراع، ولكنه يُفرغ تدريجيًا من معناه، فيتحول النقاش من: من سيختاره الشعب؟ إلى: كيف سيتكيف الجميع مع الخيار الذي يُعتقد أنه أصبح محسومًا؟

المغرب ليس بلدًا عقيمًا حتى يبقى أسير الوجوه ذاتها، والأسماء ذاتها، والنخب ذاتها. ففي هذا الوطن كفاءات سياسية واقتصادية وفكرية لا ينقصها شيء سوى تكافؤ الفرص. وتجديد النخب ليس مغامرة، بل هو شرط من شروط حيوية الدولة واستمرارها. أما حين يصبح تداول المسؤولية استثناءً، فإن الجمود يتحول إلى سياسة، والركود إلى منهج.

ولا ينبغي أيضًا أن يُختزل مستقبل المغرب في رهانات ظرفية، أو في حدث عالمي مهما بلغت أهميته. فتنظيم كأس العالم مدعاة للفخر، لكنه لا يمكن أن يكون مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا بديلًا. الدول لا تُقاس بقدرتها على تنظيم شهر من المنافسات، بل بقدرتها على بناء عقود من العدالة، والتعليم، والصحة، والاقتصاد المنتج، والحريات، والمؤسسات القوية.

إن قوة الدولة لا تظهر عندما تُدير الانتخابات، بل عندما تُقنع الجميع بأن الانتخابات هي التي تُدير مستقبل الدولة. فالشرعية لا تُصنع داخل المكاتب، وإنما تُصنع داخل صناديق الاقتراع.

ويبقى السؤال الذي لم نجد له جوابًا إلى اليوم: لماذا مُنع حزبنا من المشاركة في الانتخابات؟ وإذا كان القرار يستند إلى أسباب قانونية، فمن حق الرأي العام أن يعرفها بكل وضوح وشفافية. أما إذا ظل الصمت هو الجواب، فإن الأسئلة ستظل أكبر من الأجوبة.

وأختم بسؤال أراه جوهر القضية كلها: إذا كان رئيس الحكومة يُعرف قبل أن يتوجه المواطن إلى صندوق الاقتراع، فلا تسألوا بعد ذلك لماذا يعزف المواطن عن السياسة، بل اسألوا: متى تحولت الانتخابات من وسيلة لاختيار الإرادة الشعبية إلى مجرد إعلان عن إرادة يُعتقد أنها صُنعت في مكان آخر؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق جوابًا… ليس من أجل حزب مُنع من المشاركة، وإنما من أجل وطن لا يملك ترف التفريط في الثقة بين الدولة والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!