41 نائبا ابتلعوا 9 مليارات…بصمت

المصطفى الجوي
المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في مشهد سياسي وطني تتصارع فيه الخطابات وتتشابك فيه المصالح، يبرز واقع مقلق وغير مسبوق في أروقة البرلمان المغربي، يجسد أزمة التمثيل البرلماني في أحد أبرز تجلياتها. فقد كشفت مؤشرات تحليلية دقيقة عن صمت مطبق وطويل الأمد لفئة من النواب المغاربة، في تناقض صارخ مع جوهر الوظيفة البرلمانية القائمة على النقاش والتشريع والرقابة. لا يتعلق الأمر بنواب قلما يتدخلون أو يتأخرون عن اللجان، بل بصمت تام وكامل استمر طوال خمس سنوات تشريعية متواصلة، شملت 123 جلسة أسبوعية، دون تسجيل أي تدخل أو نقطة نظام أو سؤال أو حتى تعقيب بسيط.

الأرقام في هذا السياق تتجاوز مرحلة الإحصاء البارد لتصل إلى مستوى الفضيحة السياسية والمالية. فقد وصل عدد هؤلاء النواب والنائبات الصامتين إلى 41 نائبا، بما يمثل نسبة تقارب 10.4 في المائة من مجموع أعضاء مجلس النواب. هذه النسبة، وإن بدت للوهلة الأولى رقما مجردا، إلا أنها تجسد في واقع الأمر كتلة تصويتية صامتة، تشكلت بالكامل من نواب أحزاب عتيدة ومكونة في المشهد السياسي الوطني. ففي مقدمة هذه اللائحة نجد 18 نائبا من حزب الأصالة والمعاصرة، يليهم 10 نواب من التجمع الوطني للأحرار، ثم 6 من الاتحاد الدستوري، و4 من حزب الاستقلال، و3 من الحركة الشعبية. هذا التوزيع الحزبي يجعل من قضية الصمت البرلماني معضلة شاملة وليست حكرا على تيار أو طيف سياسي معين.

الأمر المثير للاستغراب والاستياء في آن واحد هو التكلفة المالية لهذا الصمت المطبق. فوفقا للحسابات الدقيقة، فقد كلف هؤلاء النواب الصامتون خزينة الدولة 8 مليارات و850 مليون سنتيم. هذا المبلغ الضخم، الذي تم رصده كأجور وامتيازات لمن لم ينطقوا بكلمة واحدة طوال الولاية التشريعية، يطرح تساؤلات عميقة حول جدوى الإنفاق العام وضرورة إعادة النظر في مقاربة التعويضات البرلمانية. فعندما يصبح الصمت سلعة تباع وتشتري من أموال الممولين، يترسخ الانطباع لدى الرأي العام بأن البرلمان بات فضاء للامتيازات وليس للتنمية.

في هذا السياق، تتجدد دعوات المراقبة السياسية إلى ضرورة المساءلة الحقيقية. فبدلا من توجيه النقد الدائم إلى الحكومة بمزاعم هزيلة حول الدعم الاجتماعي، يبدو من الأجدى توجيه البوصلة نحو هذه الفئة الصامتة التي استنزفت موارد الشعب دون تقديم أي إضافة تشريعية أو سياسية تذكر ومنعها من الترشيح بصفة نهائية. إن التكلفة المالية للصمت البرلماني تتطلب وقفة جادة من لدن المؤسسات الرقابية، ولا سيما رئيس المجلس، من أجل محاسبة هؤلاء النواب الذين حولوا مقاعدهم البرلمانية إلى أعباء مالية على الدولة.

إن ما حدث في هذه الولاية التشريعية يمثل التجسيد الأقسى لمقولة “إذا كان الكلام من فضة فإن الصمت من ذهب”، مع فارق جوهري يتمثل في أن هذا الذهب لم يكن صمتا من حكمة أو حنكة سياسية، بل صمتا من غفلة واستسلام للامتيازات. لقد تحول هؤلاء النواب الصامتون، الذين بلغ عددهم 41 نائبا، إلى عبء مالي قدره قرابة 9 مليارات سنتيم، في مشهد يعكس تراجع قيمة النقاش البرلماني وتحول البرلمان إلى فضاء يستنزف الأموال العامة دون جدوى تذكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!