
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لا يمكن إنكار أن توفير التجهيزات الأساسية يعد ركيزة أساسية في تدبير الشأن المحلي، وأن الجماعة الترابية مطالبة بتوفير الآليات اللازمة للصيانة، الإنارة، وتسيير المرافق العمومية. في هذا الإطار، أقدمت جماعة بنسليمان على شراء رافعة جديدة صينية الصنع، تتيح لها تنفيذ مهام متعددة ومتنوعة، بدءا من صيانة المباني، تركيب الإضاءة، قص الأشجار، وصولا إلى الأعمال الإنشائية والتصوير السينمائي وإصلاح خطوط الكهرباء. عملية الاقتناء هذه، التي بلغ غلافها المالي 120 مليون سنتيم، تأتي في سياق سعي الجماعة لتحديث أسطولها من الآليات وتوفير أدوات عمل متطورة تخدم الصالح العام. لكن، خلف هذا الاستثمار الظاهري الكبير، تختبئ جملة من التساؤلات المشروعة حول المآل الحقيقي لهذه الرافعة، وخصوصا في ظل واقع التدبير المالي والفني الذي يطبع بعض الجماعات الترابية.
إن مجرد النظر إلى فاتورة الشراء لا يعكس الصورة الكاملة للكلفة الحقيقية لهذه الآلية. فالرافعات، شأنها شأن أي معدات ميكانيكية دقيقة، لا تنتهي تكاليفها عند لحظة الدفع للمورد. بل على العكس، يبدأ العد التنازلي للتكاليف الإضافية مباشرة بعد التشغيل. تقديرات الصيانة الدورية لهذه الرافعة تشير إلى ضرورة رصد حوالي أربعة ملايين سنتيم سنويا لتغطية عمليات الفحص والإصلاح البسيط، ناهيك عن التكاليف الضمنية الأخرى التي تتحملها الجماعة، مثل تكاليف سياقة الآلية والاحتفاظ بها في مخزن مناسب يضمن حمايتها من التلف، وهو أمر يتطلب بنى تحتية لوجيستيكية قد تكون مكلفة. علاوة على ذلك، تفرض القوانين والسلامة المهنية أن تخضع هذه الرافعة لاختبار الأمان سنويا، وهو إجراء إلزامي يستدعي الاستعانة بشركات مختصة ودفع رسوم إضافية تضاف إلى العبء المالي السنوي في غياب متخصصين بالجماعة.
لكن الخطر الأكبر يكمن في مصير هذه الرافعة بعد انقضاء مدة الضمانة المقدمة من الشركة المصنعة إن كانت هناك ضمانة. فالمعدات الثقيلة والحساسة تتطلب صيانة دقيقة ومنتظمة كل 500 ساعة عمل كحد أقصى، وهي فترة زمنية قصيرة تتطلب انضباطا كبيرا في التسجيل والمراقبة. والأكثر تعقيدا هو شرط قطع الغيار، إذ لا يمكن تعويض أي جزء تالف بقطع غير أصلية أو مقلدة، لأن ذلك سيؤدي حتما إلى تدمير الآلية بكاملها أو إحداث أضرار بالغة في محركاتها وأنظمتها الهيدروليكية. قطع الغيار الأصلية لهذه الرافعات عادة ما تكون مرتفعة الثمن، وإذا لم توفر الجماعة ميزانية خاصة ومستدامة لاقتنائها، فإن الرافعة ستتحول من أصل استثماري إلى عبء ثقيل في المخزن، دون جدوى عملية تذكر، ولنا في ذلك أمثلة كثيرا فكم ما شاحنات تم بيعها مع المتلاشيات بسبب عطل بسيط.
لقد علمنا التاريخ الإداري والتدبير المحلي أن هذه المخاوف ليست مجرد تكهنات، بل هي سيناريوهات حدثت فعلا في العديد من الجماعات وعلى رأسهم جماعة بنسليمان. فالكثير من الآليات والمركبات التي تقتنيها البلديات، سواء بمقتضيات الشراء المباشر أو في إطار التبرعات والهبات، تنتهي بها المطاف كأكوام من الحديد صدأها الإهمال وتعفننها الرطوبة وتقلبات المناخ. ومن أبرز الأمثلة التي تثير القلق، حالة سيارات الإسعاف الثلاثة والحافلة التي تسلمتها جماعة بنسليمان في إطار تبرع من إيطاليا. فقد عانت هذه المركبات من نقص حاد في الصيانة والتبعية، مما أدى إلى خروجها عن الخدمة قبل دخولها، لتصبح نفايات بيئية ومالية بدلا من أن تكون أدوات لتقديم الخدمات للمواطنين. وهذا المصير نفسه يخشى أن يلحق بالرافعة الجديدة إذا لم يرافقها برنامج تدبير وصيانة صارم وواقعي.
إننا لسنا ضد شراء هذه الرافعة المهمة، بل بالعكس، نحن أول المطالبين بتوفير تجهيزات حديثة ترفع من مردودية خدمات الجماعة. لكن من حقنا، ومن حق الساكنة التي تمول هذه المشاريع عبر ضرائبها، أن نتساءل عن الضمانات الحقيقية لضمان استمرارية عمل هذه الرافعة. هل أعدت الجماعة دراسة جدوى حقيقية تأخذ بعين الاعتبار كلفة الملكية الكاملة، بما فيها الصيانة، قطع الغيار الأصلية، والاختبارات الدورية؟ وهل يتوفر الكادر الفني المؤهل القادر على التعامل مع تكنولوجيا هذه الرافعة الحديثة؟ إن غياب هذه الدراسات والخطط يجعل من عملية الشراء مجرد استعراض للعضلات السياسية أو محاولة لتبرير غلاف مالي كبير، دون ضمان الاستدامة.
في المحصلة، إن قيمة أي منشأة أو آلية لا تقاس بمبلغ شرائها الأولي، بل بمدى قدرتها على تقديم خدمة مستدامة للمواطن على المدى الطويل. ولتجنب تكرار سيناريو مركبات التبرع الإيطالية المهجورة، يجب على مجلس جماعة بنسليمان أن ينتقل من منطق “الشراء” إلى منطق “التدبير” الغائب أصلا من قاموس هذه الجماعة وغيرها الكثير إقليميا، وأن يضع خطة واضحة وصارمة للصيانة الوقائية، مع تخصيص اعتمادات مالية دائمة لضمان توفير قطع الغيار الأصلية. فبدون هذه الإجراءات الاحترازية، ستبقى الرافعة الـ120 مليون سنتيم مجرد حلم باهظ الثمن سرعان ما ستلتهمه أشعة الشمس التي تقبع فيها حاليا و تأكل عجلاتها وصقيع الرطوبة وتقلبات المناخ، لتعود الساكنة من جديد لتعيش خيبات الأمل من التدبير المحلي غير المدروس.