
المصطفى الجوي – موطني نيوز
توافد الآلاف من الشباب المغربي، صباح اليوم الأحد 5 يوليوز 2026، على مراكز الامتحانات المنتشرة عبر عدة مدن المملكة، لاجتياز مباراتين لولوج وزارة الاقتصاد والمالية، مباراة توظيف متصرفي المالية من الدرجة الثانية، ومباراة توظيف مفتشي الجمارك من الدرجة الأولى. مشهد قد يبدو، للوهلة الأولى، يوما عاديا من أيام “موسم المباريات” التي اعتاد عليها المغاربة كل سنة. لكن خلف الأرقام الجافة المعلنة في اللوائح الرسمية، تختبئ قصة أعمق بكثير. قصة جيل بأكمله يتدافع نحو باب ضيق جدا، لا يتسع إلا لأقل من واحد من كل عشرين طامح.
بحسب الإعلان الرسمي الصادر عن الوزارة، لم تُخصص سوى 503 مناصب لمباراة متصرفي المالية من الدرجة الثانية، مقابل ما يفوق 18 ألف مترشح ومترشحة تقدموا لاجتيازها. أما مباراة مفتشي الجمارك من الدرجة الأولى، فلم تتجاوز مناصبها المعلنة 200 منصب، في حين تقدم لها أزيد من 4 آلاف شاب وشابة. وبعملية حسابية بسيطة، فإن حظوظ النجاح في مباراة متصرفي المالية لا تتجاوز 2.8 بالمئة تقريبا، أي أن أكثر من 97 بالمئة من المترشحين محكوم عليهم سلفا بالفشل، مهما بلغ مستوى تحصيلهم العلمي أو استعدادهم لهذا الامتحان. وفي مباراة مفتشي الجمارك، لا تتعدى نسبة النجاح 5 بالمئة، وهو رقم لا يقل قسوة عن سابقه.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جافة تُنشر على المواقع المتخصصة في التوظيف، بل هي شهادة حية على أزمة بنيوية تعصف بسوق الشغل في المغرب. آلاف الشباب، من حاملي الإجازات والماستر وأحيانا الدكتوراه، يتنافسون على مناصب لا تتجاوز أصابع اليدين مقارنة بحجم الطلب، بعدما استنفدوا سنوات من الدراسة والانتظار، وربما محاولات سابقة باءت جميعها بالفشل في مباريات أخرى مماثلة. فالمفارقة المؤلمة أن التعليم، الذي يُفترض أن يكون مصعدا اجتماعيا ومفتاحا نحو مستقبل أفضل، تحول بالنسبة لشريحة واسعة من الشباب إلى مجرد “ورقة” تؤهلهم للوقوف في طابور طويل جدا، أمام باب لا يكاد ينفتح. وهو ما يغذي شعورا متناميا بالإحباط والعبثية لدى فئة عريضة ترى نفسها “تراكم الشهادات دون أن تراكم الفرص”.

ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن المعطيات الوطنية حول البطالة، والتي تُظهر أن حاملي الشهادات العليا هم الأكثر تضررا من ظاهرة البطالة في المغرب، مقارنة بالفئات الأقل تعليما. فكلما ارتفع المستوى الدراسي، كلما ضاقت فرص الاستيعاب في سوق شغل يعاني من ضعف خلق مناصب الشغل الكافية في القطاعين العام والخاص على حد سواء. في هذا السياق، تتحول مباريات التوظيف العمومي، التي كانت تاريخيا تمثل “الملاذ الآمن” لخريجي الجامعات، إلى ساحة تنافس محتدمة أقرب إلى “اليانصيب” منه إلى مباراة كفاءات حقيقية، حيث لا يكفي التفوق العلمي وحده لضمان النجاح، بل يتطلب الأمر حظا استثنائيا في ظل هذا التضخم الرهيب في أعداد المترشحين.
وراء كل رقم من هذه الآلاف، هناك قصة فردية شاب أو شابة أمضى شهورا في التحضير، ربما اقترض المال لتغطية مصاريف التنقل والإقامة يوم الامتحان، أو ترك عملا مؤقتا هشا على أمل الظفر بوظيفة مستقرة. والفشل المتكرر في هذا النوع من المباريات لا يُخلّف فقط خيبة أمل عابرة، بل يراكم لدى شريحة واسعة من الشباب شعورا عميقا باليأس وفقدان الثقة في جدوى المسار الذي سلكوه، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الصحة النفسية للشباب العاطل، وحول الهجرة كخيار بديل يلوح في الأفق بالنسبة للكثيرين منهم.
ويطرح هذا الواقع أسئلة جوهرية على صانعي القرار، هل يكفي تنظيم مباريات توظيف محدودة العدد لامتصاص هذا الكم الهائل من الطلب على الشغل؟ وإلى أي حد يمكن الرهان فقط على الوظيفة العمومية كحل، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد الوطني إلى استراتيجية شاملة لخلق مناصب الشغل في القطاع الخاص، ودعم المقاولات الناشئة، وتكييف التكوين الجامعي مع حاجيات سوق الشغل الفعلية؟
في انتظار إجابات ملموسة، يبقى المشهد كما هو كل موسم، طوابير طويلة أمام مراكز الامتحانات، وأحلام كثيرة، ومناصب قليلة جدا لا تتسع إلا لنسبة ضئيلة من الطامحين، فيما يعود الباقون أدراجهم لينتظروا مباراة أخرى، وأملا آخر، قد لا يكون أوفر حظا من سابقه.