
المصطفى الجوي – موطني نيوز
كانت الآمال المعقودة على إحداث منطقة الأنشطة الصناعية بمدينة بنسليمان تتجاوز مجرد إنشاء وحدات إنتاجية، لتصل إلى سقف تطلعات الساكنة في إيجاد مخرج حقيقي لمعضلة البطالة التي تؤرق شباب المنطقة، غير أن المتأمل في واقع الحال اليوم يجد أن تلك السفن الطموحة قد اصطدمت برياح من الاختلالات التدبيرية التي حرفت المشروع عن مساره التنموي المفترض.

فبدلاً من أن تتحول المنطقة إلى قاطرة اقتصادية تخلق فرص الشغل وتدعم النسيج الصناعي الإقليمي، رصدت التقارير الميدانية والمتابعات الصحفية جملة من التجاوزات التي بدأت منذ لحظة توزيع البقع الأرضية؛ حيث تشير المعطيات إلى استفادة أشخاص بناءً على اعتبارات القرابة والولاء عوض الكفاءة والاحترافية، مما أدى إلى إقصاء المهنيين الحقيقيين وتفويت الفرصة على استثمارات منتجة كانت كفيلة بتغيير الوجه الاقتصادي للمدينة.

إن هذا الانحراف في مسطرة الاستفادة لم يكن سوى مقدمة لسلسلة من خروقات دفاتر التحملات، التي تحولت بموجبها المنطقة من فضاء صناعي منظم إلى ما يشبه التجمع العشوائي الذي يفتقر لأدنى معايير التنظيم والجمالية الحضرية.

فقد تعرضت البنية التحتية، التي صرفت عليها أموال عمومية، لتخريب ممنهج نتيجة غياب المراقبة، وصاحب ذلك احتلال صارخ للملك العمومي وظهور بنايات تفتقر للترخيص القانوني، مما أفرز مشهداً مشوهاً يجمع بين الأنشطة الصناعية المفترضة وبين أنشطة دخيلة لا علاقة لها بالصناعة، مثل مركز الفحص التقني ونقاط بيع مواد البناء. والأدهى من ذلك هو تحويل بعض المستفيدين لتلك الوحدات إلى سكن عائلي خاص، في ضرب عرض الحائط بكل القوانين والأنظمة التي تحدد طبيعة الاستغلال في هذه المناطق، وهو ما يعكس حجم الفوضى التي باتت تتخبط فيها هذه المنطقة الحيوية.

وفي ظل هذا الوضع القاتم، كشفت الجولات الاستطلاعية الأخيرة عن واقع مرير يصفه المتابعون بـ “المزبلة” نظراً لتراكم النفايات وسوء التنظيم الذي طال الشوارع بأكملها، حيث تم استغلال الفضاءات العامة لممارسة أنشطة عشوائية بعيداً عن أعين الرقابة.

إن التلاعب في مصير البقع الأرضية وصل إلى حد المتاجرة بها عبر البيع والكراء، بينما لا تزال مساحات شاسعة منها مجرد أراضٍ خلاء لم يشرع في بنائها منذ سنوات، في حين أغلقت وحدات أخرى أبوابها دون ممارسة أي نشاط يذكر أو حتى إستكمال البناء.

إن هذا المشهد الفوضوي يستوجب وقفة حازمة وتدخلاً مباشراً من السيد عامل الإقليم للوقوف على التفاصيل الدقيقة لهذا الملف، ومباشرة تحقيقات ميدانية تكشف عما خفي من اختلالات قد تكون أعمق بكثير مما هو ظاهر للعيان، وذلك لضمان إعادة الأمور إلى نصابها وربط المسؤولية بالمحاسبة، صوناً للمصلحة العامة وحفاظاً على حقوق شباب المنطقة في تنمية حقيقية ومستدامة، والتقيد بدفتر التحملات.



