
المصطفى الجوي – موطني نيوز
تُشكل الانتخابات التشريعية في المغرب مرآة عاكسة لتطور الدولة الوطنية ومختبراً حياً لاختبار توازنات القوة بين المؤسسة الملكية والتيارات السياسية المختلفة. إن القراءة المتأنية لمسار هذه الانتخابات منذ فجر الاستقلال عام 1963 لا تكشف فقط عن تطور في الأرقام والمقاعد، بل تعكس صراعاً خفياً ومستمراً حول “هوية النموذج الديمقراطي” المغربي. فقد شهد المغرب منذ حصوله على الاستقلال تنوعاً ملحوظاً في الأنظمة الانتخابية والدساتير، مما أثر بشكل مباشر على شكل البرلمان وتركيبته. بدأت هذه الرحلة بانتخابات عام 1963، التي مثلت أول اقتراع تشريعي بعد الاستقلال وجرت في 17 ماي بموجب دستور 1962؛ حيث تميزت بنظام برلماني من غرفتين وتنافس فيها المرشحون على 144 مقعداً بمجلس النواب، مسجلة نسبة مشاركة بلغت حوالي 71.8%. تبعتها انتخابات عام 1970 التي جاءت بعد تعديل دستوري حول النظام إلى غرفة واحدة وزاد عدد المقاعد إلى 240 مقعداً.
واستمر التطور مع انتخابات عام 1977 التي أُجريت في ظل دستور 1972، حيث بقي نظام الغرفة الواحدة مع زيادة المقاعد إلى 264 مقعداً، كان ثلثاها يُنتخب بالاقتراع المباشر. وفي انتخابات عام 1984، ارتفع عدد المقاعد ليصل إلى 306 مقاعد مع استمرار نمط الاقتراع المزدوج، وسجلت حينها نسبة مشاركة بلغت 67.43%. أما انتخابات عام 1993، فقد جرت في ظل دستور 1992 وارتفع فيها عدد المقاعد إلى 333 مقعداً بنسبة مشاركة بلغت 62.7%.
حيث شكلت انتخابات عام 1997 نقطة تحول جوهرية، إذ تمت العودة إلى نظام الغرفتين بموجب دستور 1996، وبلغ عدد مقاعد مجلس النواب 325 مقعداً. وقد توجت هذه المرحلة بتشكيل حكومة التناوب التوافقي عام 1998 بقيادة الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي، زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. مثلت هذه التجربة نقلة نوعية في تاريخ المغرب السياسي، حيث وصلت المعارضة التاريخية إلى سدة الحكم لأول مرة منذ الاستقلال في إطار توافقي مع المؤسسة الملكية، مما عزز من انفتاح المشهد السياسي وأرسى دعائم مرحلة جديدة من الإصلاحات.
لقد كانت تجربة “التناوب التوافقي” عام 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي لحظة فارقة لم تكن لتحدث لولا تراكمات انتخابية بدأت تفرز وعياً سياسياً بضرورة إشراك المعارضة التاريخية لتجاوز “السكتة القلبية” التي حذر منها الملك الراحل الحسن الثاني. هذا الانتقال السلس للسلطة أرسى قاعدة ذهبية في السياسة المغربية مفادها أن التغيير ممكن فقط تحت سقف التوافق مع الملكية. ومع تولي الملك محمد السادس العرش، دخلت البلاد في “العهد الجديد” الذي اتسم بمحاولة مأسسة الإصلاح، حيث لم تعد الانتخابات مجرد موعد إجرائي، بل أصبحت محطات لاختبار قدرة الأحزاب على مواكبة المشاريع التنموية الكبرى. فوز حزب العدالة والتنمية في 2011 و2016 لم يكن مجرد صعود لتيار إسلامي، بل كان استجابة لضرورة امتصاص غضب الشارع في سياق “الربيع العربي”، وهو ما يؤكد أن الانتخابات في المغرب تعمل كصمام أمان للنظام السياسي.
إلا أن التحول الجذري الذي شهدته انتخابات 8 سبتمبر 2021، وما رافقها من تعديل في “القاسم الانتخابي” ليُحتسب على أساس المسجلين، كشف عن رغبة الدولة في إنهاء حقبة “القطبية الحزبية” وتفتيت الكتل السياسية الكبرى لمنع أي هيمنة أحادية على الحكومة. هذا التعديل أدى إلى تراجع حاد لحزب العدالة والتنمية من 125 إلى 13 مقعداً فقط، وصعود تيار “التكنوقراط بصبغة حزبية” ممثلاً في حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة عزيز أخنوش. هذا التحليل يقودنا إلى استنتاج أن المشهد السياسي المغربي يتجه نحو نموذج “الحكامة الإدارية” أكثر من “السياسة الأيديولوجية”، حيث تصبح الحكومة أداة تنفيذية لمشاريع استراتيجية كبرى يحددها القصر، بدلاً من كونها نتاجاً لبرامج حزبية متصارعة.
بالنظر إلى أفق سبتمبر 2026، فإن الرهانات تتجاوز مجرد صناديق الاقتراع لتلامس جوهر السيادة والتموقع الإقليمي للمغرب. إن إجراء الانتخابات في ظل دينامية دولية تعترف بمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية يفرض على النخب القادمة أن تكون “نخباً دبلوماسية” بامتياز، قادرة على تحويل المكاسب السياسية إلى واقع تنموي ومؤسساتي على الأرض. وفي الوقت ذاته، يبرز تحدي “الدولة الاجتماعية” كاختبار حقيقي لشرعية الحكومة القادمة؛ فاستكمال أوراش الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية، في ظل ضغوط التضخم العالمي وكلفة البنية التحتية لمونديال 2030، يضع المغرب أمام معادلة صعبة : كيف يمكن الحفاظ على وتيرة الاستثمارات الكبرى دون التضحية بالسلم الاجتماعي؟
إن التحليل الأعمق لمشاريع القوانين الانتخابية المطروحة لعام 2026، مثل تعديل القانون التنظيمي 27.11، يشير إلى أن الدولة تتجه نحو مزيد من “الضبط الأخلاقي” للعملية السياسية عبر تشديد مقتضيات الأهلية والترشح، وهو اعتراف ضمني بوجود أزمة نخب وتغلغل “المال السياسي والمخدرات” في المؤسسات. العودة المحتملة للنقاش حول القاسم الانتخابي والتمثيلية النسائية والشبابية تعكس رغبة في استعادة الثقة المفقودة في العمل الحزبي، خاصة لدى جيل جديد لم يعد يرى في الأحزاب التقليدية قنوات فعالة للتعبير عن طموحاته.
وبالتالي لا يمكن قراءة انتخابات 2026 كحدث منفصل، بل هي حلقة في مسلسل طويل من هندسة الانتقال الديمقراطي المغربي، حيث تظل الغاية الكبرى هي تحقيق التوازن الدقيق بين “الأصالة الملكية” و”المعاصرة الديمقراطية” في بيئة إقليمية مضطربة تفرض الاستقرار كأولوية قصوى.