
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في أكتوبر من عام 2023، أعلنت السلطات المغربية رسمياً عن مشروع تشييد ملعب مونديالي جديد بجماعة المنصورية في إقليم بنسليمان، وكان الرقم المُعلَن آنذاك خمسة مليارات درهم، أي ما يعادل خمسمئة مليار سنتيم. رقم ضخم بكل المقاييس، غير أنه بدا، في ضوء ما كُشف لاحقاً، مجرد واجهة أولية لمشروع تتضخم أرقامه بصمت لافت ومثير للقلق.
لم تمرّ سنتان ونيف حتى تكشّفت التكلفة الحقيقية للمشروع، إذ باتت التقديرات الراهنة تتحدث عن تسعة مليارات وسبعمئة مليون درهم للملعب وحده، وهو رقم لا يزال في طور التشكّل بحسب ما تُشير إليه المعطيات المتاحة. ولفهم هذه الأرقام في سياقها الكامل، لا بد من التوقف عند تفاصيل البنود التي امتصّت هذه المليارات، إذ تُوزَّع على النحو الآتي :
- ستة وخمسون ومئة وثلاثمئة مليون درهم لإعداد الأرضية.
- ثلاثة مليارات وأربعمئة مليون درهم للتشييد والأشغال الكبرى.
- ثلاثة مليارات وسبعمئة مليون درهم لأشغال التسقيف والواجهة.
- ملياريْن ومئتين وخمسين مليون درهم لمنظومة الإمداد الكهربائي التي تشمل محطة تحويل متطورة وأنظمة توليد احتياطية وإنارة رياضية عالية الجودة مخصصة لضمان جودة البث التلفزيوني.
بيد أن الصورة لا تكتمل بهذه الأرقام وحدها. فإلى جانب كلفة البناء الجوهرية، يتبيّن أن المشروع يشمل :
- خمسة مليارات درهم إضافية لتأهيل محاور الربط الطرقي.
- مليار وثمانمئة وستين مليون درهم لتهيئة المحيط المباشر للملعب.
وبجمع هذه المبالغ يتضح أن الكلفة الإجمالية للبناء والبنية التحتية المرتبطة به تتجاوز ستة عشر مليار درهم، أي ألف وستمئة مليار سنتيم، وهو رقم مرشّح للارتفاع إلى عشرين مليار درهم قبل أن تُرفع السقالات الأخيرة وتجفّ آخر طلاءات الورشة.
وتكمن الإشكالية الحقيقية في أن ما يجري رصده حتى الآن لا يمثّل إلا الشريحة الأولى من فاتورة يُرجَّح أن تمتد لعقود. فالملاعب الكبرى لا تنتهي تكاليفها عند الافتتاح، بل تبدأ فصلاً جديداً من الإنفاق المتواصل في باب التسيير اليومي والصيانة الدورية، وهو ما لم يجرؤ مسؤول واحد حتى اللحظة على الإفصاح عن أرقامه أو حتى التلميح إليها.
والأكثر إثارةً للتساؤل هو هذا الصمت المُحكَم الذي يلفّ الملف من كل جانب. فلا وزير ولا مسؤول تقدّم ليُقدّم للمواطنين مبرراً اقتصادياً واضحاً لاختيار هذا الموقع بالذات، ولا ليفسّر هذه القفزة الحسابية المذهلة من خمسة مليارات إلى ما يناهز عشرين. وهي قفزة لا تُقاس بمنطق التضخم أو تصحيح الأسعار وحده، بل تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدراسات الأولية التي أفضت إلى الإعلان عن الرقم المبدئي، ومدى جدية تلك الدراسات أصلاً.
في المقابل، تجد الحكومة نفسها حاضرة بكل طاقتها التواصلية حين يتعلق الأمر بتفاصيل الدعم الاجتماعي المُقطَّر للفقراء؛ تُرهَق الأقلام وتُستنفَر الكاميرات لشرح منح يومية بالدرهم والسنتيم، في حين تمر مليارات المشاريع الكبرى في همس خافت أو بلاغات رسمية جافة لا تقول شيئاً.
إن السؤال الذي لم يُطرح علناً حتى الآن هو سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته : من أجل من يُبنى هذا الملعب؟ ولحساب من تذهب هذه المليارات؟ وما الذي ستعود به على المنطقة وعلى البلاد من فائدة اقتصادية حقيقية بعد أن تُطوى صفحة كأس العالم؟ أسئلة يبدو أن أحداً لا يمتلك إجابة شافية عنها، أو ربما لا يريد أن يمتلكها.