
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في مثل هذا اليوم، في العشرين من يونيو عام 1981، شهدت مدينة الدار البيضاء المغربية أحداثاً دامية لا تزال محفورة في الذاكرة الجماعية، عُرفت بـ”انتفاضة الكوميرا” أو “انتفاضة الخبز”. هذه الأحداث، التي اندلعت احتجاجاً على زيادات صاروخية في أسعار المواد الغذائية الأساسية، كشفت عن عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي كان يعيشها المغرب آنذاك، وأسفرت عن سقوط مئات الضحايا واعتقال الآلاف، لتصبح رمزاً لفترة عصيبة في تاريخ البلاد عُرفت بـ”سنوات الرصاص”.

شرارة الانتفاضة : غلاء المعيشة وسياسات التقشف
لم تكن انتفاضة 1981 حدثاً معزولاً، بل كانت تتويجاً لسلسلة من التوترات الاجتماعية والاقتصادية. ففي أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، شهد المغرب تدهوراً في الأوضاع الاقتصادية، تفاقم بفعل ضغوط المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، لتبني سياسات التقويم الهيكلي والتقشف.

في 28 مايو 1981، أعلنت حكومة المعطي بوعبيد عن زيادات غير مسبوقة في أسعار المواد الأساسية : الدقيق بنسبة 40%، السكر بنسبة 50%، الزيت بنسبة 28%، الحليب بنسبة 14%، والزبدة بنسبة 76%. هذه الزيادات، التي جاءت بعد زيادات سابقة في عامي 1979 و1980، كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وأججت الغضب الشعبي، خاصة في الأحياء الفقيرة بالدار البيضاء.

يوم الغضب : 20 يونيو 1981
دعت الكونفدرالية المغربية للشغل (CDT) إلى إضراب عام يوم 20 يونيو 1981 احتجاجاً على هذه الزيادات. ورغم أن الإضراب كان سلمياً في بدايته، خاصة في الدار البيضاء، إلا أن محاولات قوات الأمن لتفريقه وتشتيت التجمعات أدت إلى اندلاع مظاهرات شعبية عفوية في مختلف الأحياء. سرعان ما تحولت هذه المظاهرات إلى مواجهات دامية مع قوات الأمن والجيش، التي تدخلت بعنف وقمع شديدين.

وتفيد التقارير بأن قوات الجيش طوقت الأحياء بالدبابات والسيارات العسكرية، واستخدمت الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، مستهدفة الرأس والصدر والقلب، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى. استمرت أعمال العنف حتى 21 يونيو، وفرضت السلطات طوقاً أمنياً مشدداً على المدينة.

حصيلة دامية و”شهداء الكوميرا”
تضاربت الأرقام حول حصيلة الضحايا بشكل كبير، مما يعكس حجم التعتيم الذي صاحب الأحداث. فبينما أعلنت السلطات المغربية آنذاك أن عدد القتلى لم يتجاوز 66 شخصاً، ذكرت هيئة الإنصاف والمصالحة لاحقاً أن العدد بلغ 114 قتيلاً. أما المعارضة، ممثلة بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد أشارت إلى أن العدد وصل إلى حوالي 600 قتيل، بينما قدرت جمعيات حقوقية مغربية الرقم بأكثر من ألف قتيل.

لم يقتصر الأمر على القتلى، بل شمل حملة اعتقالات واسعة طالت النشطاء السياسيين والنقابيين والمشاركين في الاحتجاجات. قدرت المعارضة عدد المعتقلين بحوالي 26 ألف شخص، بينما حصرت السلطات العدد في 500. تعرض المعتقلون لظروف لا إنسانية، بما في ذلك الاكتظاظ والتعذيب، مما أدى إلى وفاة العديد منهم في أماكن مثل “المقاطعة 46”.

أما تسمية “شهداء الكوميرا”، فقد أطلقها وزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري، استهزاءً بالضحايا الذين خرجوا مطالبين بالخبز، لتصبح هذه العبارة رمزاً للتضحية والمقاومة في وجه القمع.

جبر الضرر وحفظ الذاكرة
بعد سنوات طويلة من الصمت والتعتيم، جاءت هيئة الإنصاف والمصالحة، التي تأسست في إطار مسار العدالة الانتقالية بالمغرب، لتكشف جزءاً من الحقيقة حول هذه الأحداث. ففي عام 2005، كشفت الهيئة عن وجود مقابر جماعية سرية لضحايا الانتفاضة، كان من بينها ثكنة عسكرية تابعة للوقاية المدنية بالحي المحمدي.

في خطوة رمزية ومهمة لحفظ الذاكرة الجماعية، تم افتتاح مقبرة رسمية لضحايا أحداث 20 يونيو 1981 في 5 سبتمبر 2016، بحضور مسؤولين حكوميين وشخصيات حقوقية وعائلات الضحايا. وقد أوصت هيئة الإنصاف والمصالحة بضرورة حفظ ذاكرة الاعتقال والقمع والتضييق على الحريات، لضمان عدم تكرار مثل هذه الأحداث، وذلك عبر ترميم أماكن الاعتقال السرية وتحويلها إلى معارض.

لتظل انتفاضة الكوميرا 1981 صفحة مؤلمة في تاريخ المغرب، لكنها أيضاً شهادة على صمود الشعب في وجه الظلم، وتذكيراً بأهمية العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وضرورة عدم نسيان من سقطوا دفاعاً عن كرامتهم وحقهم في العيش الكريم.