
بقلم ذ . كفيل محمد – موطني نيوز
في كثير من الأحيان، لا يكون المشكل الذي يواجه المواطن داخل الإدارات هو تعقيد النصوص أو صرامة القوانين، بل شيء أبسط وأخطر في آن واحد: سلوك إداري يفتقد إلى الحد الأدنى من الذكاء العملي. سلوك لا يبحث عن الحلول، بل يتفنن في خلق العراقيل، وكأن الوظيفة العمومية تحولت من خدمة للمواطن إلى اختبار لصبره.
هذا النمط من السلوك يمكن وصفه، دون تردد، بـ”الغباء الإداري”. وهو ليس شتيمة بقدر ما هو توصيف لحالة واقعية تتكرر يومياً في عدد من المرافق. موظف يرفض ملفاً بسبب تفصيل شكلي كان بالإمكان تجاوزه، أو يطلب وثيقة لا سند قانوني لها، أو يختبئ وراء عبارة “هذه هي المسطرة” دون أن يكلف نفسه عناء فهم روح القانون قبل حرفه.
المثير للانتباه أن هذا الغباء لا يرتبط دائماً بنقص التكوين أو ضعف الإمكانيات، بل غالباً ما يكون نتيجة عقلية متحجرة ترى في السلطة الإدارية وسيلة للهيمنة بدل الخدمة. فبدل أن يسأل الموظف نفسه: “كيف أساعد هذا المواطن؟”، يسأل: “كيف أُثبت أنني صاحب القرار؟”.
والنتيجة أن الإدارة تتحول إلى متاهة، يضيع فيها المواطن بين المكاتب والتوقيعات، ويشعر أن الزمن الإداري لا يشبه الزمن الحقيقي. كل خطوة تحتاج إلى خطوة مضادة، وكل حل يقابله تعقيد جديد، وكأن هناك مقاومة غير معلنة لكل محاولة لتبسيط المساطر.
هذا الواقع يطرح سؤالاً عميقاً: هل المشكلة في النصوص أم في من يطبقها؟ التجربة اليومية تُظهر أن كثيراً من القوانين قابلة للتطبيق بسلاسة لو وُجدت الإرادة، وأن التعقيد في الغالب هو صناعة بشرية، لا ضرورة قانونية.
ومن موقعي كفاعل سياسي، أجد نفسي مضطراً لطرح فكرة قد تبدو صادمة للبعض، لكنها تعكس حجم المعاناة اليومية للمواطنين: لماذا لا يتم التفكير في تأطير ما يمكن تسميته بـ”الغباء الإداري” ضمن سلوكيات مهنية تستوجب المساءلة؟ ليس المقصود تجريم الأشخاص بقدر ما هو تجريم الممارسات التي تعرقل مصالح الناس دون مبرر قانوني.
بل إن الأمر يستدعي، على الأقل، إعادة النظر في شروط الولوج إلى الوظيفة العمومية، عبر اعتماد اختبارات أولية تقيس الكفاءة العملية، والقدرة على حل الإشكالات، وحسن تقدير المصلحة العامة، بدل الاكتفاء بالحفظ النظري للنصوص. فالإدارة ليست مجرد تطبيق آلي للقانون، بل هي فن تدبير الواقع.
إن أخطر ما في الغباء الإداري أنه يُفقد المواطن ثقته في المؤسسات. فعندما يشعر الفرد أن الإدارة لا تفهمه ولا تسعى لخدمته، يتحول من شريك في الدولة إلى خصم لها، وتصبح العلاقة قائمة على التوجس بدل التعاون.
ولعل الحل لا يكمن فقط في الرقمنة أو الإصلاحات الشكلية، بل في إعادة بناء ثقافة إدارية قائمة على الفعالية والمسؤولية. إدارة تفهم أن سلطتها ليست امتيازاً، بل تكليف، وأن نجاحها يقاس بقدرتها على حل مشاكل الناس، لا تعقيدها.
في النهاية، ليس المطلوب إدارة مثالية، بل إدارة ذكية. إدارة تدرك أن القانون وُجد لخدمة المواطن، لا لإرهاقه، وأن أبسط أشكال الذكاء هو أن تجعل حياة الناس أسهل، لا أكثر تعقيداً.