لماذا أقلقهم عودة اليهود المغاربة؟ بين خطاب الممانعة وهاجس استرجاع الحقوق

الأستاذ محمد غازي
الأستاذ محمد غازي

بقلم محمد غازي – موطني نيوز 

منذ الإعلان عن استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل، شهدنا حملة سياسية وإعلامية شرسة ضد كل من عبر عن دعمه للتطبيع أو رحب بعودة أبناء الجالية اليهودية المغربية إلى وطنهم الأم. والمثير للاستغراب أن بعض أبرز الأصوات التي تقود هذا الهجوم اليوم تنتمي إلى جهات سياسية كانت بالأمس القريب جزءاً من المؤسسات التي وافقت على هذا التوجه أو لم تعترض عليه عندما كانت في موقع المسؤولية.

إن محاولة تقديم هذه الحملة على أنها دفاع عن الدين أو الوطنية تبدو قراءة قاصرة للواقع. فالمغرب لم يكتشف اليوم علاقته التاريخية بمواطنيه اليهود، بل إن هذه العلاقة ضاربة في عمق التاريخ الوطني. ويكفي التذكير بالموقف الإنساني والشجاع للمغفور له جلالة الملك محمد الخامس، الذي رفض الانصياع لمطالب سلطات فيشي والنازية بتمييز اليهود المغاربة أو تسليمهم، مؤكداً أن رعاياه جميعاً مغاربة دون استثناء.

كما أن المغفور له الملك الحسن الثاني كان يؤكد باستمرار ارتباط اليهود المغاربة بوطنهم الأصلي، وشجع على الحفاظ على روابطهم العائلية والثقافية مع المغرب، باعتبارهم جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية المغربية المتعددة الروافد.

لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا يثير قدوم اليهود المغاربة وأبنائهم وأحفادهم إلى وطنهم كل هذا الانزعاج لدى البعض؟

هناك من يرى أن الأمر يتجاوز الشعارات السياسية المرفوعة في الساحات والبيانات الحزبية، ليرتبط بمخاوف أعمق تتعلق بفتح صفحات من التاريخ ظلت مطوية لعقود. فعودة أبناء الجالية المغربية اليهودية قد تعيد إلى الواجهة نقاشاً قانونياً وأخلاقياً حول ممتلكات وأراضٍ تركها أصحابها خلفهم في ظروف تاريخية معقدة، وحول مسؤولية من استفاد من تلك الأوضاع أو استولى على تلك الحقوق دون وجه حق.

إن الدفاع عن مغربية اليهود ليس دفاعاً عن دولة أجنبية، ولا انتقاصاً من حقوق أي طرف آخر، بل هو دفاع عن حقيقة تاريخية ووطنية ثابتة. فاليهود المغاربة كانوا وما زالوا جزءاً من هذا الوطن، ساهموا في بنائه وازدهاره، وتركوا بصماتهم في ثقافته واقتصاده وفنونه وحياته العامة.

إن الوطنية الحقيقية لا تُقاس برفع الشعارات ولا بالمزايدات السياسية، بل بالوفاء لتاريخ المغرب كما هو، بكل مكوناته وروافده. ومن هذا المنطلق، فإن الترحيب بأبناء المغرب اليهود في وطنهم ليس تنازلاً لأحد، بل هو تجسيد لقيم الوفاء والاعتراف والعدالة التي ميزت المملكة المغربية عبر تاريخها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!