
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في كلّ مرة يقف فيها إنسان أمام خيار المغادرة، تحدث معركة صامتة لا يراها أحد. معركة بين عاطفة مزروعة منذ الطفولة وواقع يرفض أن يتجمّل. وفي الغالب، يفوز الواقع. لا لأن الإنسان جحودٌ أو خائن، بل لأن الحياة لا تُعاش بالشعارات، ولا تُسدَّد بها الفواتير، ولا تُداوى بها الجروح.
الوطنية كما تُمارَس اليوم في كثير من بلداننا ليست شعوراً نابعاً من الداخل، بل هي منظومة ضغط اجتماعي منظّم. تبدأ من المدرسة حين يحفظ الطفل النشيد الوطني قبل أن يتعلّم كيف يفكّر نقدياً، وتمتد إلى التلفزيون الذي يعيد إنتاج صور البطولة والتضحية بشكل يومي، لتنتهي عند الفرد الذي يجد نفسه محاصراً بين إحساس حقيقي بالانتماء، وإحساس حقيقي آخر بالغبن. والمأساة أن المنظومة ذاتها لا تتحمل هذا التناقض، فتفرض عليه خياراً وحيداً، أن يُسكت صوت الغبن، ويرفع صوت الانتماء.
لكن الأسئلة تأبى الصمت. لماذا يُطلب من الإنسان أن يحبّ وطناً بلا شروط، في حين أن هذا الوطن يتعامل معه بشروط جائرة؟ لماذا تصبح المطالبة بالكرامة خيانةً، والصمت على الظلم وطنيةً؟ هذه ليست فلسفة ترفية، بل هي أسئلة يطرحها يومياً شابٌ عاطل في أربعينياته لا يزال يقيم في بيت أهله، وامرأة تشق طريقها في سوق عمل لا يرى فيها إنساناً كاملاً، وعائلة تنتظر دورها في قائمة انتظار طبية لا تنتهي بينما تملأ المستشفيات الخاصة أحياءً لا تعرف معنى الشارع المهترئ.
الأرض لا تجوع. الأرض لا تُهان في دائرة حكومية. الأرض لا تشاهد أبناءها يمشون على قوارب الموت نحو ضفاف لا تعرف أسماءهم. لكن البشر يفعلون كل ذلك، وهم يحملون في صدورهم خريطة لم يختاروها يوماً. الصدفة الجغرافية وحدها لا تصنع الانتماء، والانتماء الحقيقي لا يُبنى بالترهيب، بل بالعدل.
ما يجعل فكرة الوطن خطيرة ليس وجودها في حد ذاتها، بل توظيفها. حين تتحوّل إلى أداة بيد السلطة لإسكات الاحتجاج وتأجيل الحقوق وتجريم السؤال، لا تعود وطنية بل وصاية. وحين يتحوّل العلم إلى درع يختبئ خلفه الفاسد ضدّ المحاسبة، لا يعود رمزاً بل سلاحاً. ولأن هذا النمط متكرر ومألوف في جغرافيات بعيدة وقريبة، فإن الشك في الخطاب الوطني المُصنَّع لا يعني الشك في الناس، بل هو دفاع عنهم.
الإنسان الذي يغادر بلده ليس جباناً ولا خائناً. هو في أغلب الأحيان إنسانٌ جرّب أن يصمد فهُزم، أو قرّر مبكراً ألّا يرهن حياته لوعود لا تتحقق. والإنسان الذي يبقى ليس بطلاً بالضرورة، قد يكون حبيس ظروف لا خيار، أو يحمل أملاً حقيقياً يستحق الاحترام. لكن في الحالتين، لا يصح أن يُحكَم عليه بمقياس الولاء والخيانة. الولاء للأرض فكرة وسيطة، والولاء للإنسان هو الأصل.
أنسيتم أو تناسبتم أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد هاجر وخرج هاربا من وطنه ومسقط رأسه؟ ألم تقرأ قول الله تعالى في سورة النساء : {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}. حيث تشير الآية إلى أنه إذا ضاق المكان على الإنسان ومنعه من إقامة دينه أو العيش بكرامة، فإن الأرض واسعة ويمكنه الانتقال.
وبالتالي أقول : “لن تُبنى أوطان حقيقية ما دامت تقوم على العاطفة المجرّدة بدل المؤسسات العادلة، وعلى الطاعة بدل المشاركة، وعلى ذاكرة الانتصارات بدل مواجهة خيبات الحاضر. الوطن الذي يستحق المحبة ليس الذي يطلبها بالقوة، بل الذي يجعلها ممكنة بالعدالة. وحتى ذلك اليوم، من حقّ كل إنسان أن يسأل، أن يشكّ، وأن يختار حياةً تليق به دون أن يُتّهم بأنه طعن خريطةً في ظهرها”.