
المصطفى الجوي – موطني نيوز
وصل إلى علم “موطني نيوز” معطيات مقلقة تكشف أن الوكالة الحضرية لبرشيد وبنسليمان، بالتنسيق مع الجماعة الترابية لبنسليمان وهيئة الحوض المائي، باتت على وشك منح ترخيص لمشروع تجزئة سكنية داخل نطاق بركة مائية تُصنَّف ضمن المناطق عالية المخاطر، وذلك على الرغم مما يُتداوَل من أن السيد العامل الحالي للإقليم أبدى معارضة صريحة لهذا المسار، في مشهد يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة القرار ومشروعيته القانونية والأخلاقية على حد سواء.
ومن المفارقات الصارخة في هذا الملف أن البركة المعنية ليست مجرد مساحة مائية عادية، بل هي حوض طبيعي يشهد فيضانات موسمية متكررة كلما أقبلت التساقطات المطرية، وهو ما يجعل أي ترخيص بناء داخل محيطها الهيدرولوجي مخاطرة محسوبة بحق المواطنين لا بحق المستثمرين. وإذا صحت المعطيات المتداولة، فإن مجموعة من الأسئلة الحارقة تفرض نفسها بإلحاح : على أي أساس تقني واجتماعي وقانوني تستند هذه الإدارات لتبرير قرار كهذا، وهل ثمة دراسات هيدرولوجية معتمدة وتقارير بيئية حديثة تدعم هذا التوجه؟

على الصعيد القانوني، يكفل المشرع المغربي منظومة من الضمانات التي تحمي المناطق ذات الطابع المائي والمعرضة للفيضانات من الاستثمار العقاري المتهور. فالقانون رقم 36.15 المتعلق بالماء يشترط أخذ رأي وكالة الحوض المائي قبل أي تدخل في المناطق المحيطة بالموارد المائية السطحية، كما يُلزم قانون التعمير رقم 12.90 ومراسيمه التطبيقية بالتحقق من سلامة المواقع المراد تجزئتها من مخاطر الفيضان، فضلاً عن اشتراط وثائق التعمير المحلية كالتصاميم التوجيهية للتهيئة والتعمير (SDAU) والتصاميم التفصيلية أن تستثني المناطق الرطبة والمجاري المائية من التوسع العمراني. وفي المقابل، لا يكفي الاستناد إلى وثيقة التعمير وحدها لتجاوز هذه الاشتراطات، لأن الخبرة الميدانية والنماذج الهيدرولوجية هي الحَكَم الفصل في نهاية المطاف.
إن ما يزيد هذا الملف تعقيداً هو التوتر الواضح بين الأجهزة الإدارية المتدخلة ذاتها، إذ يُشير المتداوَل إلى أن السيد العامل أبدى موقفاً رافضاً لهذا المسار، وهو تحفظ يحمل ثقلاً إجرائياً وسياسياً لا يُستهان به “إن لم يتغير”، لأن السلطة الإقليمية تملك من الصلاحيات ما يؤهلها لتعليق أي ترخيص يمس السلامة العامة ريثما تُستكمل الدراسات اللازمة. وفي حال تجاوُز هذا الموقف والمضي في منح الترخيص، فإن المسؤولية القانونية والأخلاقية ستبقى مُعلقة على عنق كل طرف وقّع في هذا الملف، وستكون الأدلة الورقية والتواريخ شاهداً لا يُكذَّب يوم تغرق البيوت أو تنهار الجدران هذا إن سلمت البيوت أصلا.

والمواطن المغربي الذي يُقبل على شراء شقة أو قطعة أرضية في مثل هذه المواقع لا يملك عادةً الأدوات القانونية والتقنية الكافية للكشف عن طبيعة الأرض التي سيبني عليها مستقبله، وكثيراً ما يضطر إلى الاكتشاف المؤلم بعد فوات الأوان، حين يجد نفسه أمام منزل مشوه بالرطوبة أو مهدد بالفيضان أو مبني على أرض لا تحمل ترخيصاً قانونياً سليماً. وهذا بالضبط هو ما يجعل مدينة بنسليمان أكثر من مجرد خلاف إداري بين جهات الوصاية، بل هو اختبار حقيقي لمبدأ حماية المواطن من جشع الاستثمار العقاري المتسرع. ولكم أن تبحثوا جيدا عن الجهة التي ستستثمرون فيها أرزاقكم، هل هي جهة موثوقة أم غير ذلك؟
“موطني نيوز” إذ تطرح هذه التساؤلات أمام الرأي العام، فإنها تحرص على التأكيد أن أبوابها مفتوحة لكل الأطراف المعنية؛ من الوكالة الحضرية إلى الجماعة الترابية ووكالة الحوض المائي وسلطة الإقليم، لتقديم رواياتها والرد على ما يتداوله المواطنون. لأن الصمت في ملف كهذا ليس حصانة، بل هو في حد ذاته موقف. وفي انتظار النفي أو التأكيد، يبقى المواطن وحده يحمل ثمن القرارات التي لا يُستشار فيها.
