تونس تبكي عدالتها أمام محكمة التاريخ

راشد الغنوشي
راشد الغنوشي

بقلم ذ . محمد كفيل – موطني نيوز 

اليوم لم يكن “راشد الغنوشي” وحده من وقف في قفص الاتهام، بل جلست معه جثة العدالة التونسية في كفنها الأخير، تحاكمها محكمة التاريخ التي لا ترحم.

إن صدور حكم بالسجن المؤبد على رجل طاعن في السن تجاوز الثمانين من عمره، لا يمكن تصنيفه تحت أي ظرف باعتباره “قراراً قضائياً” ينطق باسم الشعب، بل هو صكّ سياسي يُعلن بوضوح بداية حقبة “التوظيف الفجّ” للمرفق القضائي لتصفية الخصوم. لقد سقطت ورقة التوت، ولم يعد القاضي هنا يملك سلطة القانون، بل تحول – وعن وعي – إلى أداة تنفيذية، متحملًا بذلك المسؤولية الجنائية والأخلاقية والتاريخية أمام شعب بأكمله، وأمام أجيال لن تغفر لمن خان محراب العدالة.

إن القضاة الذين خطّت أيديهم هذا الحكم، قد يكونون أغلقوا ملفاً ورقياً في سجلات المحكمة بإيعاز من السلطة، لكنهم فتحوا بأيديهم زنزانة سوداء لأنفسهم في ذاكرة التاريخ. فالأحكام تصدر في دقائق وتوقَّع بحبر زائل، أما مقصلة التاريخ فتدوم لعقود، والتاريخ لا يعترف بالأختام الرسمية الممهورة بضغوط السياسة، بل يفتش عن الضمير، والإنصاف، والشجاعة الاستقلالية التي افتقدها هؤلاء.

أما رئيس الدولة، فإنه يتحمل المسؤولية السياسية والتاريخية الكاملة عن هذا المناخ البوليسي الخانق الذي وُلدت في رحمِه هذه الأحكام الجائرة. فحين تُمحى معالم التعددية، وتتحول الدولة من فضاء للاختلاف السياسي إلى مسرحٍ شاسع للصمت المريب والخوف الممنهج، يصبح من حق كل حقوقي ومواطن أن يصرخ: هل نحن أمام دولة تواجه الفكر بالفكر، أم أمام سلطة أمنية مأزومة ترى في كل رأي معارض “مشروع مؤامرة” وفي كل خصم “متهمًا مهدور الدم”؟

إن السلطة التي تستقوي بالسجون على خصومها قد تتوهم النصر لعام أو لأعوام، لكنها تخسر رهان التاريخ حتمًا. والتاريخ العربي والعالمي غاصٌّ بطغاة اعتقدوا أن الجدران الصماء هي المقبرة النهائية للمعارضين، فإذا بالزنازين تتحول إلى منصات انطلاق أخلاقية تُنهي شرعية النظام نفسه.

فما أشبه اليوم بالبارحة؛ حين ساق النظام المصري عام 1966 المفكر سيد قطب إلى المشنقة وهو عليل ناهز الستين، ظانًّا أنه يمحو أثره، فمات الحاكم وبقيت أفكار قطب تُشكل وجدان الملايين وتُلاحق النظام بعارها.

وليس بعيداً عن ذلك، ما أقدمت عليه الفاشية الإيطالية بقيادة موسوليني حين حوكم الزعيم الشيوعي أنطونيو غرامشي عام 1928، وقال المدعي العام الفاشي جملته الشهيرة يجب أن نمنع هذا الدماغ من العمل لعشرين سنة او هكذا قال فمات غرامشي في سجنه، لكن “دفاتر السجن” التي كتبها خلف القضبان فككت الفاشية فكرياً، ودُفن موسوليني مقتولاً ومعلقاً من قدميه في ساحة عامة، وبقي غرامشي رمزاً للفكر الإنساني.

وفي التاريخ الحديث، واجه نيلسون مانديلا حكماً بالمؤبد في محاكمة “ريفونيا” عام 1964 من قِبل قضاء نظام الفصل العنصري الذي كان يرى نفسه قضاءً شرعياً، فخرج مانديلا من الزنزانة بعد 27 عاماً ليقود البلاد، بينما انهار النظام العنصري وقُذف بقضاته وسجانيه في مزبلة التاريخ كأحد أقبح الأنظمة في التاريخ البشري.

اليوم، قد ينتاب أصحاب القرار نشوة القوة الزائفة وهم يرقبون حكماً بالمؤبد يصدر ضد شيخ ثمانيني سُلبت منه أدنى ضمانات الدفاع العادل، لكن القوة الحقيقية للدول لا تُقاس بقسوة الأحكام ولا بعدد المعتقلين، بل بمدى قدرتها على استيعاب الرأي المخالف، وحماية التعددية، وصيانة كرامة مواطنيها.

إن انحدار القضاء إلى مستنقع التبعية للسلطة التنفيذية هو رصاصة الرحمة في جسد السلم الأهلي، وأخطر ما يصيب السلطة هو وهم الاعتقاد بأن صناعة الخوف تبني الشرعية. فالشرعية تُشيد بالعدالة الناجزة، بالحرية، بالإنجاز الاقتصادي والاجتماعي، لا بالمؤبدات، ولا بالزنازين، ولا بإقصاء الشركاء في الوطن.

ويبقى السؤال الذي سيظل يتردد في أروقة المحاكم وقصور الحكم: ماذا ربحَت تونس من سجن رجل مسنّ؟ وماذا ربحت العدالة من عقوبة تفوح منها رائحة التشفي السياسي؟ وماذا سيربح النظام الحالي من كتابة صفحة سوداء جديدة تؤكد أن صراع السلطة ضد الشعب هو صراع خاسر لا محالة، وأن دولة “التعليمات” تسقط دائماً أمام دولة “القانون”؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *