
بقلم ذ . محمد كفيل – موطني نيوز
قد لا يختلف اثنان في أن الفرح جزء من هوية الشعوب، وأن الاحتفاء بالثقافة والموروث الفني ليس ترفًا بل ضرورة رمزية تعكس نبض الحياة داخل المدن. فالمهرجانات، حين تُبنى على أسس ثقافية حقيقية، يمكن أن تتحول إلى فضاء للانفتاح، وإلى جسر يربط بين الماضي والحاضر، ويمنح المدينة صورة نابضة بالحيوية والفرح.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يمكن للفرح أن يكون أولوية في مدينة لم تكتمل فيها شروط الحياة الكريمة بعد؟
في مدينة مثل بنسليمان، حيث تتجاور مظاهر بسيطة من التمدن مع بقايا واقع لم يغادر بعد منطقة ما قبل التنمية، يصبح هذا السؤال أكثر حدة وإحراجًا. مدينة ما زالت تعاني من محدودية فرص الشغل، ومن خصاص واضح في المرافق الصحية، ومن اختلالات يومية تمس تفاصيل العيش البسيط للمواطن. مدينة لم تستكمل بعد بنيتها الأساسية، تُطرح فيها فجأة مشاريع احتفالية ضخمة، وكأننا أمام مدينة وصلت إلى قمة الرفاه، لا مدينة ما زالت تبحث عن أبسط شروط الكرامة.
إن الإشكال هنا ليس في الفن، ولا في الثقافة، ولا في المهرجان كفكرة، بل في ترتيب الأولويات العامة. فحين تتحول المهرجانات إلى واجهة براقة تغطي واقعًا هشًا، يصبح الأمر أقرب إلى إعادة إنتاج صورة غير مكتملة عن المدينة، صورة تلمع في الخارج بينما الداخل يئن تحت ضغط الاحتياجات اليومية.
كيف يمكن إقناع المواطن بجدوى الاحتفال، بينما يواجه يوميًا تحديات المعيشة، من صحة وتعليم وشغل وبنيات تحتية؟ وكيف يمكن تبرير صرف المال العام على لحظات فرح عابرة، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى استثمار طويل النفس في الإنسان قبل الحجر، وفي الخدمات قبل الأضواء؟
هنا يتحول المهرجان من فضاء ثقافي إلى سؤال سياسي بامتياز: هل نحن أمام تنمية حقيقية أم أمام تنميق بصري لواقع غير مكتمل؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المدن هو أن تُستبدل السياسات العمومية فيها بمنطق “الفرجة”، حيث تصبح الصورة أهم من الجوهر، والاحتفال أهم من الحلول، والبهجة الموسمية بديلاً عن الإصلاح المستدام. وحينها، يفقد المال العام معناه التنموي، ويتحول إلى أداة لإنتاج لحظات صاخبة لا تغيّر شيئًا في عمق الواقع.
في النهاية، ليس المطلوب قتل الفرح، ولا إلغاء المهرجانات، بل المطلوب أن يأتي الفرح في سياقه الصحيح: ثمرة لتنمية حقيقية، لا قناعًا يغطي غيابها. فالأوطان لا تُبنى بالأضواء وحدها، بل تُبنى حين يشعر المواطن أن أولوياته اليومية قد أُخذت بجدية قبل أن يُطلب منه التصفيق.