
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في خضمّ ما تشهده دول العالم من أزمات وجيوسياسية معقدة، تفاجئنا مدينة المحمدية بإعلان صامت لم تُعقد له قمة دولية، ولم يُبثّ على شاشات CNN، مفاده أن ثمة كياناً سياسياً جديداً نشأ على الخريطة المغربية، يتمتع بحدود واضحة، وسلطة تنفيذية فاعلة، وقانون أرضي لا يقبل الطعن ولا التظلم. هذا الكيان لا يحمل اسم “إقليم” ولا “جهة”، بل يحمل اسماً أكثر رهبة وأشد وقعاً : نقابة سيارات الأجرة الصنف الأول.
وللمؤرخين الذين سيكتبون يوماً عن نشأة هذه الجمهورية العتيدة، فإن مؤسسيها لم يحتاجوا لا إلى دستور ولا إلى استفتاء شعبي رغم أنهم مجرد “جمعية”، فقط احتاجوا إلى قليل من الجرأة و”السنطيحة” وكثير من الصمت المريب من الجميع. والنتيجة؟ جمهورية كاملة الأوصاف، تفرض قانونها على المواطنين، وتعرقل الحافلات، وتُحكم قبضتها على شرايين التنقل وترفض أي مشاريع ملكية، بينما تتفرج مؤسسات الدولة بدهشة المشاهد الذي يرى السيرك ويبحث عن تذكرته.
والطريف المُبكي في هذا المشهد أن القانون المغربي لم يترك باب اللبس مفتوحاً، إذ حدّد بدقة جراحية مهمة سيارة الأجرة الصنف الأول : نقل الركاب بين المدن، لا أقل ولا أكثر. لكن يبدو أن أصحاب الشأن في المحمدية قرأوا هذا النص بـ”إبداعية” تفسيرية لا يُحسدون عليها، فاستنتجوا بمنطق فلسفي عميق أن من حقهم أيضاً أن يؤدوا دور سيارات الأجرة الصنف الثاني وحافلات “ألزا” داخل المدينة، بل وأن يمنعوا من سوّلت له نفسه منافستهم. وهكذا تحول قانون النقل من نص تنظيمي إلى مجرد “اقتراح غير ملزم”.
أما الضحية الكبرى في هذه الملهاة المحمدية، فهي حافلات “فوغال باص” القادمة من بنسليمان، تلك الحافلات التي لم تكن تعلم حين انطلقت من بنسليمان يوم السبت الأسود أنها ستحتاج إلى تأشيرة دخول، وربما جواز سفر مصادق عليه من الجهة النقابية المختصة. فالمحمدية، كما يبدو، لم تعد مجرد محطة عبور، بل باتت دولة ذات سيادة، تمنح وتمنع، وتأذن وتحجب، وهي في كل ذلك لا تحتاج لأكثر من بضعة أشخاص بنفوذ مصنوع من رحم الفراغ.
ولعل أجمل ما في هذه الفضيحة المُقنّعة بالروتين أنها تجري في وضح النهار، أمام مؤسسات تحمل أسماء رنانة كـ”ارتقاء” و”البيضاء”، وأمام سلطات إقليمية ك”العمالة” وأمنية ك”الشرطة” يُفترض فيها أنها تحرس القانون لا أن تتأمل خرقه بعيون نصف مغمضة. والمشهد برمته يذكّرك بذلك الشاهد الصامت أمام المحكمة، الذي يعلم الحقيقة كاملة لكنه يختار أن ينظر في السقف خشية الإحراج.
والأغرب في هذه الجمهورية الناشئة أنها تعمل في غياب تام لأي ردّ فعل رسمي جدي، فكأن الجميع اتفق ضمنياً على أن ما يجري في المحمدية يبقى في المحمدية، وأن استفزاز النقابة يكلّف أكثر مما تكلفه المصلحة العامة. وهكذا يتحول القانون إلى ديكور، وتتحول هيبة الدولة إلى ذكرى عزيزة نستحضرها في المناسبات.
نستنتج، وبما أن منطق الأمور يسير بهذه الوتيرة، فلا بد أن المحطة القادمة ستكون إصدار وثائق رسمية للزيارة، وربما نُشرة جمركية عند مداخل المدينة تُبيّن ما يُسمح بإدخاله وما هو محظور. أما المواطن البسيط القادم من بنسليمان الذي إنتظر 15 سنة كاملة، يبحث عن حافلة تقله بثمن معقول، فلا تقلقوا عليه، فقد اعتاد المغاربة منذ زمن بعيد أن يدفعوا فاتورة الفوضى المُنظَّمة من جيوبهم الخاصة، وبابتسامة صفراء لا تقول شيئاً.