
المصطفى الجوي – موطني نيوز
ما جرى صباح هذا الأحد، العاشر من مايو 2026، في قلب مدينة المحمدية، ليس حادثة عادية تُصنَّف في خانة النزاعات المهنية، ولا خلافاً نقابياً تحله طاولة الحوار. ما جرى هو جريمة موصوفة بكل المقاييس القانونية، وتحدٍّ سافر لسلطة الدولة المغربية، وإهانة صريحة لحقوق المواطنين الذين يجدون أنفسهم رهائن في يد سائقين يتسترون بلافتة نقابية.
مجموعة من سائقي سيارات الأجرة الصنف الأول يعترضون حافلات بنسليمان بالقوة، يمنعونها من الدخول والخروج، وعلى متنها مواطنون أحرار في أرض مغربية ذات سيادة. كل هذا يجري أمام أعين رجال الأمن الذين آثروا الصمت، وكأن ما يشهدونه احتفالية عابرة لا اعتداء جسيماً على النظام العام. وكرة الثلج هذه لم تبدأ اليوم، بل كان السبت يوماً مشابهاً في المشهد لهذه الفوضى والتسيب.
القانون الجنائي المغربي المحدَّث لم يترك فراغاً في هذا الباب. فالفصل 267 يعاقب صراحةً كل من عرقل حرية العمل أو المرور بالتهديد أو العنف، والفصل 580 يُجرِّم قطع الطريق العام أو عرقلته بأي وسيلة كانت. أما الفصل 263 فيذهب أبعد من ذلك، إذ يُجرِّم كل تجمهر من شأنه الإخلال بالنظام العام، ويُعاقب المنظمين بعقوبات مشددة حين يكون التجمهر مقروناً بالعنف أو التهديد. والفصل 300 يُعاقب على عرقلة حرية التنقل، وهو ما وقع بالضبط حين حوصر ركاب أبرياء داخل حافلاتهم أو مُنعوا من الصعود إليها. والأشد في هذا السياق هو أن وقوع هذه الأفعال أمام ممثلي السلطة العامة الذين لم يتحركوا يُضيف بُعداً آخر من أبعاد المساءلة القانونية التي يجب ألا تغيب عن أي نقاش جدي في هذا الملف.
المفارقة المُرّة أن ساكنة بنسليمان باتت في حاجة إلى “تأشيرة” غير رسمية لدخول مدينة المحمدية، لا تمنحها الدولة المغربية بمؤسساتها الدستورية، بل تمنحها أو تمنعها نقابة تعمل خارج أي إطار قانوني مشروع حين تتحول إلى ميليشيا طرق. هذا توصيف لا مبالغة فيه، لأن ضبط حركة المرور واحتجاز المواطنين بالقوة ليس من صلاحيات أي نقابة في أي دولة تحترم القانون، بل هو حكر على الضابطة القضائية والسلطات المختصة.
ما يزيد الأمر خطورة هو هذا الصمت المُريب من الجهات الأمنية الحاضرة في المكان. فحين يتحول رجال الأمن إلى مشاهدين سلبيين أمام انتهاك صريح للقانون، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن واضحة “هناك من هو فوق القانون، وهناك أرض تسري عليها قواعد أخرى غير قواعد الدولة”. وهذه رسالة خطيرة لا يمكن السكوت عنها.
نطالب وزارة الداخلية بصريح العبارة أن تتدخل فوراً وبحزم، وأن تُحيل ملف هذه الأحداث على النيابة العامة بما فيها من أسماء ووقائع موثقة، وأن تُوقف كل من ثبت تورطه في عرقلة الطريق العام واحتجاز حافلات المسافرين عن مواصلة مسارها. كما نطالبها بمساءلة رجال الأمن المتواجدين في الميدان حول دواعي عدم تدخلهم لاخلاء الشارع، لأن عدم تطبيق القانون هو نفسه خرق للقانون. ونطالب بفتح تحقيق جدي في التمويل والتنظيم الفعلي لهذه المجموعات التي لا تعمل بمنطق النقابات بل بمنطق القوة حين تقطع الطرق وتُعطل حياة المواطنين.
المحمدية مدينة مغربية، وبنسليمان مدينة مغربية، والطريق الفاصل بينهما مغربي. ولا يحق لأحد، مهما ادّعى من تمثيل نقابي أو مهني، أن يُحوِّل هذا الطريق إلى معبر خاضع لسلطته. الدولة إما أن تكون دولة، وإما أن تترك الميدان لمن يملأه. والصمت في مثل هذه الحوادث ليس حياداً، بل هو رسالة ضمنية لكل فوضوي مستقبلي بأن الفوضى تُجدي وتمر دون حساب.