
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في مشهد يكشف عن عمق الاختلالات التي تنخر تدبير الجماعات الترابية بإقليم بنسليمان، وجّه عامل الإقليم السيد الحسن بوكوتة، نهاية الأسبوع الماضي، مراسلة رسمية شديدة اللهجة إلى جميع رؤساء الجماعات الخاضعة لإشراف باشويات المنصورية، بنسليمان و بوزنيقة، تضمنت تعليمات صريحة وملزمة بشأن الفوضى المستشرية في استخدام سيارات الجماعات خارج الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها. غير أن مرور أسبوع كامل على صدور تلك المراسلة دون أن يُلمس أي أثر ملموس على أرض الواقع يطرح تساؤلات جوهرية وجدية حول طبيعة العلاقة بين السلطة الوصية والمنتخبين، وحول قيمة التوجيهات الرسمية في ظل منظومة تدبير تبدو عاجزة عن فرض الانضباط المؤسسي.
المراسلة التي اطلعت عليها جريدتنا تكشف أن الأمر لا يتعلق بتجاوزات معزولة أو هفوات فردية، بل بظاهرة متجذرة ومتكررة، إذ تشير المراسلة إلى أن مصالح العمالة لا تزال تتلقى شكاوى متزايدة تتعلق باستعمال سيارات الجماعات واستغلالها من طرف بعض رؤساء المجالس والأعضاء والموظفين الجماعيين لأغراض شخصية بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة. وهو ما يُعدّ في حد ذاته اعترافاً رسمياً من أعلى سلطة إدارية في الإقليم بأن المال العام يستنزف في صمت وسط لامبالاة مُقلقة.
السيد العامل لم يكتفِ بالتشخيص، بل أصدر توجيهات عملية تفصيلية تضمنت حصر استعمال السيارات في الأغراض النفعية المرتبطة بالعمل وفق القوانين الجارية، وحظر استخدامها في أوقات العطل والإجازات، وإلزام السائقين بالتنقل داخل الدائرة المحددة مع توثيق هويات الركاب وطبيعة مهامهم، فضلاً عن اعتماد آليات مراقبة صارمة لضبط الكيلومترات المقطوعة وكميات الوقود المستهلكة. توجيهات من هذا القبيل لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، وهي واضحة في مضمونها وملزمة في صياغتها. فما الذي يمنع تنفيذها إذن؟
الإجابة تكمن في مكان آخر. ذلك أن المشكلة الحقيقية ليست في غياب التعليمات، فالمنظومة القانونية المغربية تزخر بالنصوص الكفيلة بضبط تدبير الأصول الجماعية، بل تتجلى في ضعف آليات المتابعة والمساءلة، وفي ثقافة الإفلات من العقاب التي باتت راسخة في عقلية بعض المنتخبين الذين يتعاملون مع مركبات الجماعة باعتبارها امتيازاً شخصياً مكتسباً لا مسؤولية عامة مؤتمنة. وحين يمر أسبوع كامل بعد توجيهات رسمية دون تبعات أو محاسبة، فإن الرسالة الضمنية التي تصل إلى هؤلاء هي أن لا شيء سيتغير.
هذا النوع من التراخي في تطبيق التوجيهات يُكلّف خزينة الجماعات أموالاً طائلة تُستنزف في الوقود والصيانة والاستهلاك غير المبرر لأسطول المركبات، في وقت تئن فيه الجماعات من ضائقة مالية مزمنة تعجزها عن تنفيذ مشاريع أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين. الفارق بين جماعة تُحسن تدبير أسطولها وأخرى تتركه نهباً للاستعمال العشوائي قد يعني الفارق بين مشروع لتزفيت طريق أو توصيل ماء الشرب وبين فاتورة وقود منتفخة لا مبرر قانونياً لها.
المطلوب اليوم ليس مزيداً من المراسلات التي تُودَع في أدراج المكاتب دون أن تُفضي إلى نتيجة، بل المطلوب هو متابعة جدية وصارمة، وإحالة الملفات المخالفة على الجهات المختصة عند الاقتضاء، لأن التوجيه الذي لا يعقبه إجراء ليس توجيهاً، بل رسالة في الهواء.