التسامح ليس منّةً بل هي هوية

اليهود المغاربة

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في زقاق ضيق من أزقة باب دكالة العتيقة بمراكش، وقف عدد من الزوار اليهود ليؤدوا صلاتهم في الهواء الطلق. لحظة عادية، إنسانية في جوهرها، روحية في معناها. لكن ما إن انتشرت مقاطع المشهد على منصات التواصل الاجتماعي، حتى انبرى أصحاب النفوس المريضة والحسابات المشبوهة للتحريض والتهويل، مستغلين فريضة دينية بسيطة أداةً لتأجيج الفتنة وزرع الكراهية في مجتمع اعتاد على أن يكون نموذجاً يُحتذى به في التعايش.

والحقيقة التي يعرفها كل من له أدنى إلمام بأحكام الشريعة اليهودية، أن الصلاة فيها مرتبطة بأوقات صارمة لا تقبل تأجيلاً ولا مساومة. فإذا أدركت وقت الصلاة مسافراً أو زائراً بعيداً عن دور عبادته، فليس أمامك من خيار سوى أن تُصلي حيث أنت، تماماً كما يفعل المسلم في المطار أو في الشارع أو في أي بقعة من الأرض. وما يُستساغ للمسلم في الحدائق الأوروبية وشوارع نيويورك لا يمكن بأي منطق سليم أن يُستنكر على يهودي في مراكش. فمن يتبنى هذا الازدواج إنما يكشف عن نفسه قبل أن يكشف عن موقفه.

ولا يوجد في القانون المغربي، ولا في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب، ما يُجرّم أداء الشعائر الدينية في الفضاء العام. بل على النقيض تماماً، فإن الدستور المغربي يكفل صراحةً حرية ممارسة الشعائر الدينية، وهو التزام ليس نصاً حبريّاً بل ترجمه المغرب سلوكاً وتاريخاً وحضارة ممتدة عبر قرون. فمن يدّعي اليوم أن ما جرى في باب دكالة جريمة أو استفزاز، فليُحضر نصه القانوني، وإلا فليصمت.

هؤلاء الزوار لم يأتوا إلى المغرب عبثاً. جاؤوا في رحلة حج روحية إلى أضرحة أولياء وحكماء يهود دفنتهم هذه الأرض المباركة منذ قرون، وهو ما يعني أن هذه العلاقة بين اليهود وتراب المغرب علاقة جذور لا علاقة ضيافة عابرة. فمراكش ليست غريبة عن اليهودية، ولا اليهودية غريبة عن مراكش. الملاح اليهودي القديم في قلب المدينة شاهد على ذلك، وتاريخ الأسرة العلوية في صون كرامة اليهود المغاربة وحمايتهم شاهد آخر، وكذلك المقابر والكُنُس والزوايا المنتشرة في ربوع المملكة من طنجة إلى الكويرة.

أما المشوشون الذين ملأوا الفضاء الرقمي بالصراخ والتحريض، فقد كشفوا بموقفهم هذا أنهم لا يدافعون عن الإسلام لأن الإسلام لا يحتاج دفاعاً من أمثالهم، ولا عن الهوية الوطنية لأن الهوية الوطنية المغربية أرسخ وأعمق من أن يزعزعها مشهد لرجل يصلي في الشارع. إنهم في الحقيقة يبحثون عن وقود يُشعلون به نار الفتنة، ووجدوا فيما جرى ذريعةً في متناول اليد. لكن الذريعة هنا هزيلة وباردة، ومن استخدمها أظهر فقراً فكرياً قبل أن يُظهر حمية دينية.

المغرب الذي يُنتج هذه الضجة المصطنعة ليس المغرب الحقيقي. المغرب الحقيقي هو الذي تعانق فيه أصوات المؤذن وأجراس الكنيسة وترانيم الكُنيس على مدى أجيال دون أن يعتبر ذلك أحدٌ خللاً في النسيج الاجتماعي، بل اعتبره الجميع ثروةً حضارية وميزةً استثنائية تشهد على عمق هذه الأمة وأصالتها. و التسامح في المغرب ليس قراراً طارئاً ولا موقفاً ظرفياً، بل هو بنية ثقافية متجذرة ضربت جذورها عميقاً في وجدان الشعب المغربي قبل أن تتحول إلى خطاب سياسي أو مبادرة دولية.

ومن هنا يحق لنا أن نقول لكل من يريدون تشويه صورة المغرب أمام العالم وتقديمه بوصفه بيئة طاردة للتعايش : لقد خاب مسعاكم. لأن الرسالة الواضحة التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي : من يُريد أن يُصلّي في المغرب، أياً كانت ديانته، محمي بالقانون وبالتاريخ وبالضمير الجماعي لهذا الشعب، وليس لأحد أن يُفتي في حقوق الآخرين بجهل أو بغي.

فالفتنة لا تنجح حيث يكون الوعي حاضراً. وما يطمح إليه أصحاب التحريض هو أن يجدوا جمهوراً يُصدّقهم، لكنهم أخطأوا العنوان هذه المرة، لأن المغاربة رأوا هذا المشهد من قبل وعرفوا كيف يُميزون بين الدين الحق والتوظيف السياسي للدين، وبين الغيرة الصادقة والاستغلال الرخيص للمشاعر.

والخلاصة التي لا تحتمل جدلاً هي أن يهودي يُصلي في مراكش ليس حدثاً استثنائياً يستدعي نقاشاً عموميا، بل هو انعكاس طبيعي لمغرب يستحق الفخر. والغريب حقاً ليس أن يُصلي إنسان في شارع، بل أن يجد من يُنكر عليه إنسانيته.​​​​​​​​​​​​​​​​

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!