قصة أصحاب الرس

أصحاب الرس

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في زمنٍ غابر، حيث كانت الأرضُ لا تزال تذكرُ نوحًا وطوفانه، نبتت شجرةُ صنوبرٍ (شاهدرخت) غرسها يافث بن نوح. على ضفاف نهرٍ عظيم. كان شريانَ اثنتي عشرة قريةً تتنفسُ على ضفافه، وكل قريةٍ كانت مرآةً للأخرى : مروجٌ خضراء، قصورٌ شاهقة، وحياةٌ رغيدة لا يعكر صفوَها شيء.

لكن هذه الشجرة لم تكن عادية. كانوا يروونها من عينٍ مقدسة، يشربون منها ويطعمونها للشجر، ويحرِّمون ماءها على الناس والبهائم. ومن تجرأ وذاق قطرةً من ذلك الماء قتلوه قِتلةً نكراء، قائلين : “هو حياة آلهتنا، فلا ينبغي لأحدٍ أن ينقص من حياتها”.

وكان لهم في كل شهر عيد. كانوا يأتون إلى الشجرة بالذبائح، يوقدون النيران، حتى إذا تصاعد الدخان وحجب عنهم السماء، خروا ساجدين يبكون ويتضرعون. وحين يبلغ البكاء مبلغه، كان الشيطان يحرك الأغصان ويصيح من جوفها :
“قد رضيتُ عنكم عبادي، فطيبوا نفسًا وقرُّوا عينًا”.

فيرفعون رؤوسهم فرحين، يشربون الخمر وتضرب المعازف، يظلون على ذلك يومًا وليلة.

أما في عيدهم الأكبر، فكان المشهدُ أعظم. يفتحون للصنوبرة الرئيسية اثني عشر بابًا، يدخل كل قوم من باب، يذبحون لها أضعاف ما يذبحون لغيرها، فيجيء إبليس فيحركها بعنف، ويتكلم من جوفها بصوت جهوري يقطع القلوب، يعدهم ويمنيهم، فيظلون اثني عشر يومًا ساجدين فرحين.

وهكذا غرقوا في ظلامهم قرونًا، حتى بعث الله إليهم نبيًّا. كان من بني إسرائيل، من ولد يهوذا بن يعقوب وقيل هو حنظلة بن صفوان. وقف فيهم يدعوهم إلى الواحد القهار، ليلَ نهار، سرًّا وإجهار، فما زادهم ذلك إلا إصرارًا وكِبرًا وعناد.

وفي يوم عيدهم الأكبر، رفع النبي يديه إلى السماء :
“يا رب، إن عبادك أبَوا إلا تكذيبي، يعبدون شجرةً لا تنفع ولا تضر، فأيبِس شجرهم وأرهم قدرتك وسلطانك”.

فلما أصبح القوم، وجدوا الشجر يابسًا كأنه لم يخضر يومًا. صُعقوا وارتَجُّوا، ثم تفرقوا فرقتين :
فرقة قالت : “سحر آلهتكم هذا الرجلُ”.
وأخرى قالت : “بل غضبت آلهتنا حين رأت هذا الرجل يعيبها، فحجبت حسنها لتغضبوا لها”.

وأجمعوا أمرهم على قتله. حفروا بئرًا “رس” ضيقة المدخل عميقة القعر، ألقوه فيها، ثم وضعوا فوقها صخرة عظيمة، وقالوا : “نرجو الآن أن ترضى عنا آلهتنا”.

وبقي نبيُّهم تحت الصخرة في قعر الرس، يسمع الناس أنينَه الضعيف :
“سيدي، قد ضاق مكاني، واشتد كربي، فارحم ضعف ركني، وقلة حيلتي، وعجل بقبض روحي”.

ظل يرددها حتى انقطع صوته.

هنا، نادى الجليل جبريل عليه السلام :
“أيظن عبادي هؤلاء، الذين غرهم حلمي، وأمنوا مكري، وعبدوا غيري، وقتلوا رسولي، أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني؟ كيف، وأنا المنتقم ممن عصاني ولم يخش عقابي؟ إني حلفت بعزتي لأجعلنهم نكالًا وعبرة للعالمين”.

وفيما هم في عيدهم الكبير، بين الرقص والغناء والذبائح، إذ هبت ريح عاصف شديدة الحَرَّة. ذُعروا وتحيروا، تضامُّوا إلى بعضهم، وإذا الأرض من تحتهم تنقلب حجارة كبريت تتوقد، وإذا سحابة سوداء تظلهم، تمطرهم جمرًا يلتهب.

فذابت أجسادهم كما يذوب الرصاص.

وماتوا جميعًا. اثنتا عشرة قرية. آلاف البشر. في لحظة واحدة.

ومات معهم ذلك النهر العظيم الذي لم يكن في الأرض كلها أغزر منه ولا أعذب.

وماتت الحكاية، وبقي العبرة :
أن من يحفر لأخيه بئرًا، يقع فيها.
وأن الظلم مهما طال أمده، لا بد أن يأتي يوم يستيقظ فيه الجبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!