
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في أعماق مدينة “السيبة” بنسليمان، حيث تتداخل أصوات النداءات الإيمانية مع همهمات الحياة اليومية، يبرز شبح يهدد نسيج المجتمع الأخلاقي، محل تجاري يتهيأ لبيع الخمور، يتقدم بخطى واثقة نحو افتتاحه دون رخصة أو شهادة مطابقة، متحدياً قوانين التعمير ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف. كيف يمكن أن يحدث هذا في دولة ترفع راية القانون، إلا إذا كانت الاستثناءات قد أصبحت قاعدة؟ هذا المحل، الذي يغير واجهات البناية ويغتصب تصميمها الأصلي، لم يلقَ أي استفسار من الجهات المسؤولة، مما يرسم صورة قاتمة عن غياب المحاسبة وانتشار الإختلالات والتجاوزات.
يبدأ الجدل منذ أسابيع، حيث أثار خبر تهيئة هذا المحل غضباً عارماً بين سكان الإقامات السكنية المجاورة، مثل أضراب، المنزه والمنظر الجميل دون أن ننسى المؤسسات التعليمية و المجمع الديني والمسجد. فالسكان، الذين يرون في هذا النشاط التجاري تهديداً مباشراً لأخلاق أبنائهم وأمان أحيائهم، لم يسكتوا. بل قاموا بتقديم عرائض جماعية إلى عامل الإقليم لحسن بوكوتة، وباشا المدينة، مطالبين بوقف هذه المحاولة الفاضحة. وانضمت إليهم جمعيات المجتمع المدني، مثل التعاضدية المغربية لحماية المال العام، في حملة احتجاجية واسعة، محذرين من أن فتح مثل هذه المحلات يفتح أبواباً للإدمان، الشجارات، والاعتداءات، ويتنافى مع تعاليم الإسلام التي تحرم الخمر تحريماً قاطعاً. وفي رسالة مفتوحة نشرت على وسائل التواصل، وصف أحد النشطاء هذا المحل بأنه “ليس استثماراً، بل تجمعاً للمدمنين وارتفاعاً في الجرائم”، مشدداً على أن موقعه قرب مسجد رمزي يجعله استفزازاً للمشاعر الدينية.
ومع ذلك، يستمر المحل في إجراء إصلاحاته دون أي تدخل رسمي. لا رخصة، لا شهادة مطابقة، ولا حتى زيارة تفقدية من السلطات المعنية. هذا الإهمال يثير تساؤلات عميقة : أين هي سيادة القانون التي يجب أن تعلو ولا يعلى عليها؟ ذلك المبدأ الدستوري الراسخ الذي يضمن المساواة أمام القانون، ويحمي المجتمع من استبداد الأقوياء. في بنسليمان، يبدو أن هذا المبدأ قد أصبح مجرد شعارات جوفاء، حيث يُطبق القانون على الضعفاء ويُعفى منه الأقوياء. فالمحل، الذي سبق أن سُحبت رخصته في عهد عامل سابق كالمصطفى المعزة، يعود الآن ليثير الجدل من جديد، مما يشير إلى عودة محتملة للسوق السوداء إذا لم يتم التصدي له. وفي ظل هذا الغياب الرسمي، يتساءل المواطنون : هل هناك يد خفية تحمي هذا المشروع، أم أن الإدارة قد غفلت عن دورها في حفظ الأمن الأخلاقي؟
هذا الجدل ليس مجرد نزاع محلي، بل هو اختبار لقوة الدولة في تطبيق قوانينها دون تمييز. فالخمر، الذي يُحظر في الإسلام كمصدر للفساد والإفساد، يصبح رمزاً للانحلال إذا سُمح له بالانتشار في أحياء سكنية آمنة. ومع أن بعض المصادر الرسمية نفت منح الترخيص حتى الآن، إلا أن استمرار الأعمال يعطي انطباعاً بأن الإجراءات الإدارية قد تكون مجرد ستار لقرارات غامضة. إن صرخة السكان والجمعيات والإعلام ليست مجرد احتجاج، بل دعوة لاستعادة سيادة القانون، قبل أن يتحول الجدل إلى كارثة اجتماعية.
وعليه، تبقى مدينة “السيبة” بنسليمان أمام مفترق طرق، إما أن تعيد الثقة في مؤسساتها بوقف هذا المشروع المشبوه، أو تترك الاستثناءات تآكل أسس العدالة. والسؤال المعلق : هل سيعلو القانون أخيراً، أم ستظل المدينة شاهداً على انتصار الظلام على النور؟