في ذكرى الهولوكوست..درس إنساني لن يتكرّر

HOLOCAUST


المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في مثل هذا اليوم، يتوقف ضمير الإنسانية جمعاء ليستذكر جريمة القرن العشرين الأكثر ظلاماً وإثارة للرعب “الهولوكوست”. اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا المحرقة النازية ليس مجرد تاريخ على التقويم، بل هو نداء حي من الماضي ينبه الحاضر ويحذر المستقبل. إنه وقفة إجلالٍ أمام ذكرى ستة ملايين يهودي، أُزهقت أرواحهم بشكل منهجي وقاسٍ في معسكرات الموت، لمجرد أنهم ولدوا يهوداً. وكانوا ضحايا أيديولوجية عنصرية متطرفة جردت الإنسان من إنسانيته، وساوت بينه وبين الحشرة التي يجب إبادتها.

لكن هذه الذكرى لا تحيي أرواح الضحايا اليهود وحدهم، بل تذكرنا أيضاً بملايين آخرين من الغجر والمعاقين ومعارضي النظام النازي، الذين سقطوا في نفس الآلة الوحشية. إنها تذكرة موجعة بأن الشر المطلق قد يكون منظماً وهادئاً، يسير على قضبان البيروقراطية ويزدهر في صمت المتفرجين والجبناء.

نتذكر اليوم لأن النسيان خيانة. خيانة للذين رحلوا دون قبر أو شاهد، وخيانة لأولئك الناجين الذين يحملون في ذاكرتهم وجلدهم آثار الجحيم الذي عاشوه. كل شهادة من شهاداتهم هي صرخة تحذير للأحياء هذا ما يمكن أن يحدث عندما تنتصر الغرائز الحيوانية على القيم الإنسانية، وعندما يتحول خطاب الكراهية إلى سياسة دولة، وعندما يصبح الجار شيطاناً لجاره.

والذكرى ليست فقط للحداد، بل للتعلم. فهذا الحدث المريع لم ينزل من السماء فجأة، بل سبقه سنوات من التسميم الفكري، وتصعيد خطاب “الآخر” كعدو وخطر، وترسيخ ثقافة الاستعلاء العرقي. إنه يعلمنا أن جدار الحضارة رقيق، وأن البربرية تكمن في دواخلنا، تنتظر فقط غياب الضمير وسيادة القانون لتتفجر. يعلمنا أن الصمت في وجه الظلم والتمييز هو تواطؤ، وأن اللامبالاة سم تسري في جسد المجتمعات حتى تقضي عليها.

في عالمنا اليوم، حيث لا تزال بذور التعصب والعنصرية وكراهية الغير تنتشر في أراضٍ خصبة، يصبح واجب الذكرى مضاعفاً. فإحياء الهولوكوست اليوم هو مواجهة ثقافة الإنكار والتقليل من شأنها التي تروج لها بعض الأصوات. هو تأكيد على حقيقة تاريخية ثابتة، وأيضاً التزام عملي بمكافحة جميع أشكال كراهية الأجانب وكراهية اليهود (معاداة السامية) والتحريض على العنف.

لذلك، فإننا في هذا اليوم الذي يصادف 27 من يناير من كل سنة، ونحن نحني رؤوسنا إجلالاً واحتراماً، نرفع أيضاً أصواتنا وأقلامنا ووعينا لنقول : كفى. كفى للكراهية التي تقسم، وكفى للصمت الذي يقتل مرتين. لقد وعد الناجون، ووعد العالم، ولنوعد نحن أيضاً لن نسمح أبداً بتكرارها. هذا العهد هو الدرس الأهم، وهو إرث الضحايا الحقيقي، بناء عالمٍ حيث “لا أحد” أقل من “أحد”، وعالمٍ تنتصر فيه كرامة الإنسان على أي أيديولوجية عنصرية، إلى الأبد.

فليكن هذا اليوم حارساً لضميرنا الجماعي، ونبراساً ينير درب الإنسانية نحو مستقبل لا مكان فيه لظلمة كهذه. لأن ذكرى الهولوكوست، في صميمها، هي قصة تحذير أبدية، وقصة التزام أبدي بمنعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!